الجمعة. ديسمبر 6th, 2019

“خزانة الذاكرة”.. استراتيجية التنمية المسرحية تتحقق بعد 4 سنوات

بقلم : باسـم صـادق – المصدر جريدة الأهرام

باسم صادق – جريدة الأهرام

انتهت الدورة السادسة والعشرين من مهرجان القاهرة الدولى للمسرح المعاصر والتجريبى قبل أيام بعد زخم كبير ومهم من الفعاليات المسرحية سواء على مستوى تنوع العروض أو الورش الفنية والتقنية مع كبار مسرحييى الأجانب أو الندوات المكثفة التى كانت حلقة وصل مهمة مع شركاء الحركة المسرحية عربيا وأفريقيا ودوليا.. بالإضافة إلى استمرار بروتوكولات التعاون مع أهم المؤسسات الدولية.. وأهمها اتفاقية “خزانة الذاكرة” مع الهيئة العربية للمسرح والتى أثارت جدلا واسعا حول مدى أحقيتها فى توثيق فعاليات المهرجان باعتباره تراثا مصريا خالصا.. وهو ما نفسره ضمن قراءة سريعة لتلك الدورة فى السطور التالية..

مسرحية روميو

خلال تسعة أيام فقط هى عمر دورة المهرجان التجريبى كشفت فعالياته عن فلسفة إدارته خلال السنوات الماضية.. والتى سارت فى خطين متوازيين.. الأول مستوى العروض المختارة والثانى ترسيخ أقدام المهرجان وتأسيس كيان مستقل قادر على مواصلة المسيرة حتى لو تغيرت قياداته.. ولا ينكر أحد حالة التنوع البصرى التى حققها المهرجان على مدى السنوات الأربع الماضية فى عروضه المختارة والتى زادت بريقا فى دورته الفضية العام الماضى وفى دورة هذا العام التى شاهدنا فيها مدارس مسرحية عالمية شديدة الإبهار لا تعتمد على التقنيات والتجهيزات الفنية بقدر اعتمادها على قدرة العنصر البشرى على جذب الأنظار شكلا وموضوعا وهو رهان مهم تخوضه مسارح العالم منذ سنوات لإثبات أنه مهما طغى التقدم التكنولوجى فسيظل الإنسان هو الأبقى والأكثر تواصلا مع عشاق المسرح.. وهذا ما أكدته أعمال من قبيل العروض السويسرية “تحيا الحياة” أو “روميو.. روميو” الذى تناول تنويعات مختلفة لتعامل الرجل مع المرأة وحالة الشد والجذب بينهما وقدرة كل منهما على مقاومة احتياجه الآخر.. ومعان كثيرة فجرها أبطال العرض الأربعة بأداء راقص شديد الإبهار من فرط عنفوانه وخفة ظلهم وبراعتهم فى توصيل الدلالات بقليل من الكلمات وكثير من الجمل الحركية.. وكذلك أغلب العروض الأخرى مثل البرازيلى “دار الأحلام” البسيط الذى داعب خيال المتلقى بأدوات مطبخ وثلاثة ممثلين يبحثون عن الطعام فى فضاءات مختلفة كالصحراء وقاع البحر.. والسورى الألمانى “أفيون”.. وغيرها من العروض المهمة.. وهذا التحدى البشرى هو فى حد ذاته اتجاه لجأت له إدارة المهرجان لتلافى عدم قدرتهم على استدعاء العروض التقنية بالغة الإبهار إما بسبب طلبات صناعها المادية المبالغ فيها أو بسبب عدم جاهزية مسارحنا لمثل تلك العروض.. أما الخط الثانى فهو ترسيخ قيمة المهرجان دوليا ككيان ثابت له ثقله وبريقه وأثره الفعال.. وبدا هذا واضحا من خلال الشراكات والبروتوكولات المتعددة التى عقدتها الإدارة الحالية.. ولعل أهم هذه البروتوكولات هى اتفاقية خزانة الذاكرة التى تقضى بتوثيق كافة دورات المهرجان منذ بداية تأسيسه عام 1988.. وهو ما اعتبره البعض استهانة بتاريخ المسرح المصرى لعدم قدرتنا على حفظ تراثنا بأنفسنا.. بينما غاب عن المشككين فى نوايا إدارة المهرجان حقائق مهمة للغاية منها أنه فى عام 2015 انعقد مؤتمر وزراء الثقافة العرب فى الرياض – وكان من بينهم بالطبع وزير الثقافة المصرى- وأصدر قرارا بتكليف الهيئة العربية للمسرح بوضع مشروع الاستراتيجية العربية للتنمية المسرحية والخاص برصد وتوثيق وتحليل كافة الأنشطة المسرحية فى الدول العربية.. وفى عام 2016 أصدر نفس المؤتمر وقت انعقاده فى تونس توصية بتفعيل الاستراتيجية.. فى حين انطلقت من القاهرة نفسها عام 2018 وخلال نفس المؤتمر، دعوة الدول العربية للتعاون مع الهيئة العربية للمسرح لتنفيذ مضامين الاستراتيجية.. وبالمثل وجهت المنظمة العربية للثقافة الدعوة للدول العربية لاتخاذ خطوات واضحة نحو التعاون سعيا للارتقاء بالفن المسرحى فى الوطن العربى وتشجيع تواصله مع التجارب المسرحية العالمية.. كل هذا يؤكد أن الأمر ليس مفاجأة أو ظهر فى غفلة من الزمن.. أما بنود الاتفاقية فتقضى برصد فعاليات المهرجان منذ بدايته حتى الآن فيما لا يخص حقوق الملكية الفكرية مثل تصوير العروض المقدمة أو حتى نشر نصوصها.. وبشرط عدم استغلال ما يوثق لأى أغراض تجارية.. مع تقديم تحليل مضمون لكل ما يخص المهرجان ودوراته السابقة وهو مجهود بحثى يقوم به متخصصون مصريون.. وأحقية المهرجان فى الحصول على 30 % من المادة المطبوعة ووضعها بالكامل على موقعه.. بالإضافة إلى أن كل بنود الاتفاقية روجعت قانونا فى وزارة الثقافة بما يحفظ حق مصر فى تراثها.

وإذا كان جزء من الهجوم على المهرجان هو الربط بين تكفل الهيئتين العربية والدولية للمسرح (ITI) بقيمة تذاكر سفر ضيوف الندوات الإفريقية وبدلات مدربى الورش والتى تقدر بآلاف الدولارات.. وبين عقد الاتفاقية.. فمن المؤكد أن ذلك الربط فى غير محله أولا لأن هيئة الـ(ITI) هى هيئة غير هادفة للربح عمرها 71 عاما تابعة لمنظة اليونسكو للثقافة والفنون بهدف خلق منصات تبادل مسرحى دولى وما تقدمه من دعم هو أحد أهم أنشطتها.. وثانيا أن الهيئة العربية لم تطلب أمام هذا الدعم أى تدخل من أى نوع فى اختيار المدربين أو متحدثى الندوات أو حتى الموضوعات المطروحة للنقاش.

دعونا إذاً من دعوات التشكيك.. ولنستفد من تلك الاتفاقية التى ستفتح الباب أمام دارسى المسرح ومبدعيه بالاطلاع والبحث والتحليل وتقويم الذات من خلال إتاحة هذا التاريخ الموثق إلكترونيا عبر موقع المهرجان التجريبى وورقيا عبر المطبوعات المنتظر طرحها.. مثلما تم توثيق مهرجانات دمشق وقرطاج والأردن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي