الخميس. ديسمبر 5th, 2019

مساهمة الخبراء المسرحيين المصريين في المسرح الليبي

كتب : عبد السلام الزغيبي 

يتخذ المسرح في ليبيا وعلى الصعيد التاريخي مكانة مرموقة بين باقي الأشكال الثقافية والفنية، حيث برز المسرح كـأحد أهم المعالم القائمة في المدن الأثرية الليبية كمدينة لبدة، ومدينة صبراتة، وقورينا، ولعل عُمر مسرح لبدة الذي بُني في السنة الأولى قبل الميلاد يعطي دلالة كبيرة على أهمية وعراقة المسرح في ليبيا. تمر السنون، ويعيش معها المسرح حالات متباينة بين الركود والانتعاش، فنجد أن الوالي عُثمان باشا الساقزلي يُنشئ مسرحا بشارع الترك يسع 500 مشاهد وبه شرفة، تُقدم فيه العروض المسرحية لفرق مسرحية محلية وأخرى قادمة من مصر.

في العهد الإيطالي وبالتحديد في عام 1928* رجع رائد المسرح الليبي “محمد عبد الهادي” من جولة في بلاد الشام و لبنان، وهناك تأثر بمسرح أبوخليل القباني، ومنها ذهب إلى مصر التي اطلع فيها على تجربتهم المسرحية أيضًا، وكان معجبًا بمسرح نجيب الريحاني الذي كان يعد الأشهر حينها. وعاد ليؤسس أول فرقة مسرحية ليبية في مدينة طبرق وقام بتقديم مسرحية “لو كنت ملكا”، لكن لم يستطع مواصلة نشاطه هناك لأسباب اجتماعية مما دعاه للانتقال إلى مدينة درنة في عام 1930، حيث أعاد تقديم مسرحية “لوكنت ملكا” وفي عام 1931، قدم مسرحية “هارون الرشيد” كما جاء في مقدمة كتاب- مؤسس المسرح الليبي- لمحمد بو سويق والتي كتبها الشاعر والمؤلف المسرحي- عبد الحميد بطاو..

وفي السنوات اللاحقة على ذلك، حدث نشاط مسرحي وتأسست عدة فرق مسرحية في أنحاء البلاد.

وفي نفس الفترة وفي غرب البلاد، كان هناك فرقة الفنون والصنائع التي تعتبر النواة الحقيقية لقيام المسرح الليبي وقد قدمت الفرقة عدداً لا بأس به من الروايات والإسكتشات وقد أسهم في هذه العروض فنان مصري كبير حضر من القاهرة وكان برفقته فتاتان.. وقد ظلت الفرقة تقدم عروضها المسرحية منذ عام 1936 حتى عام 1939م حيث بدأت الحرب العالمية الثانية:

وفي بنغازي، تأسس المسرح على يد الفنان رجب البكوش عام 1936، الذي كان رائداً للمسرح ببنغازي يكتب ويخرج ويمثل ويكتشف المواهب، وكان يمتاز بالحس الفكاهي وخفة الدم وله تأثير بالغ في محيطه وقدم عديد الأعمال.

ويؤكد على ذلك الفنان “إبراهيم بن عامر” الذي يقول في مقابلة مع صحفية “أويا” بدأت أول فرقة مسرحية في بنغازي عام 1936م وكان مؤسسها رجب البكوش، وقد كانت بداية حياتي المسرحية مع هذه الفرقة أنا و”حسن فليفلة” الذي عمل مدرباً بالفرقة ومخرجاً لها..

بدأ البكُّوش في تكوين (فرقة الشاطىء للتمثيل) من الشباب الذين يعشقون المسرح، وكان مقرّ هذه الفرقة شاطىء البحر بجوار المنارة (الفنار القديم) الذي يقع بجبّانة (سيدي خريبيش).

بدأت الفرقة تعمل على إعداد بعض المسرحيات، كان من بينها مسرحية (الشيخ إبراهيم)، وهي نصّ اجتماعي غنائي من نصوص كتاب (ألف ليلة وليلة) أيضاً، قدمت الفرقة مسرحية (الوفاء العربي)، وكانت أول مسرحية متكاملة، تُقدَّم للمسرح في نصّ جيِّد، يجمع بين الحركة والكلمة. وهذه المسرحية تعتبر هي الخطوة الأولى لأساس الحركة المسرحية بمدينة بنغازي.

ومع مرور السنوات تكونت في بنغازي أكثر من فرقة مسرحية، أصبح لها تاريخها الفني ورصيد ها من الأعمال الجيدة ‏والمشاركات الفعالة، ومثال ذلك، فرقة المسرح الوطني، والمسرح الشعبي، والمسرح العربي، وهي فرق لها تاريخ ‏مجيد ومشرف في ساحات العطاء الفني المسرحي.

وعاشت بنغازي في سنوات سبعينيات القرن المنصرم، حركة مسرحية نشطة، وقدمت نصوصا ذات مستوى راق، وكانت لوحات الدعاية للمسرحيات تجدها في نواصي الطرق وفي جزر الدوران وفي الأماكن الحيوية التي يؤمها الناس من أسواق وميادين ومقاه وإدارات رسمية وملاعب كرة وغيرها. وكان الجمهور عاشقا للمسرح ومثقفا ومتفاعلا مع أحداث المسرحيات التي تستمر عروضها شهورا في بعض الأحيان.

وفي تلك السنوات الذهبية للمسرح الليبي، تم استجلاب خبراء مسرحيين مصريين، للنهوض بالمسرح الليبي وتطويره.

وكان للأثر الذي أحدثه الفنانون المصريون الكبار، من أمثال عمر الحريري والسيد راضي، ومحمد توفيق، وزين العشماوي، وغيرهم، تأثيره الواضح في الارتفاع بالمستوى الفني للمسرح الليبي عموما، للممثل والمخرج والكاتب وغيرهم. وهنا أمثلة على دور كل منهم:

السيد راضي مع المسرح الوطني:
كانت له إسهامات كبيرة في المسرح المصري والعربي، خاصة في ليبيا، حيث عمل خبيرا مسرحيا في المسرح الليبي في مدينة بنغازي خلال عامي 1971 و1972 وقدم مع فرقة المسرح الوطني مسرحيتي، زيارة السيدة العجوز، وملك يبحث عن وظيفة. ومع فرقة المسرح العام قدم مسرحية ( البنت الشويطرة) من تأليف علي ابحيري، عام 1971، وقد تشرفت بمعرفته، ومتابعته عن قرب أثناء إخراجه مسرحية: “البنت الشويطرة” حيث كنت أحد أعضاء فرقة المسرح العام. وكوّن المخرج المصري “السيد راضي” علاقات صداقة مع أهل بنغازي وكان يتردد على المدينة لزيارة أصدقائه، وكانت الزيارة الأخيرة اثناء تكريمه من قبل فعاليات المهرجان الوطني العاشر للمسرح الليبي في بنغازي 2007.

عمر الحريري في المسرح الشعبي:
في عام 1968، تم التعاقد مع الأستاذ عمر الحريري، الذي درب عددا كبيرا من الممثلين وأخرج العديد من العروض المسرحية، منها: مسرحية (بيت الله الحرام) عام 1968، وهى التجربة الإخراجية الأولى للفنان عمر الحريري، وعرضت في مدن بنغازي ودرنة وطرابلس، ومسرحية “البخيل” لمولير وإخراج الفنان عمر الحريري، وعرضت في بنغازي والقاهرة، ومسرحية “ثمن الحرية” من إخراج عمر الحريري، وعرضت في بنغازي والقاهرة.

مسرحية “شمس النهار”، تأليف توفيق الحكيم وإخراج عمر الحريرى عام 1973م، وشاركت بها فرقة المسرح الشعبي في المهرجان الوطني الثاني للمسرح الليبي بطرابلس وعرضت على خشبة مسرح الحمراء الخميس 20 ديسمبر 1973م، وتحصَّلت على الترتيب الأول، ومسرحية “الزهور لا تذبل أبدًا”، تأليف الكاتب المصري رشاد رشدي وإخراج عمر الحريري، وعرضت سنة 1974.

محمد توفيق في المسرح العربي:
استجلبت فرقة المسرح العربي الفنان القدير “محمد توفيق” الذي قدم مع الفرقة، مسرحيات، انتبهوا أيها السادة، النار والزيتون، ثورة الزنج، كما أشرف على عدة دورات تدريب مسرحية وقدم عدة محاضرات لأعضاء فرق بنغازي المسرحية.

عصام عبده في المسرح العام:
استعانت فرقة المسرح العام بالمخرج المصري “عصام عبده” حيث كان باكورة إنتاج الفرقة في عام 69 مسرحية “حلال المشاكل” وهي مسرحية اجتماعية نقدية من فكرة الأستاذ خليل الكوافي، وإخراج المخرج المصري “عصام عبده” ونشطت الفرقة وركزت اهتمامها على الأعمال الشعبية وخاصة الكوميدية، فقدمت مسرحية “الخطاب الثلاثة” وهي مسرحية اجتماعية ضاحكة هادفة تعالج المشكلات الاجتماعية، وهي من تأليف علي ابحيري، ومن إخراج عصام عبده. وقد عرضت المسرحية على مسرح اللجنة الأولمبية بالبركة واستمرت لعدة أيام. وهي من بطولة المرحوم سليمان حمزة، وعلي الفارسي، محمود الزردومي، ومثلت فيها دور طفل صغير.

ثم قدمت الفرقة مسرحية (محاكمة أمريكا)، التي تحولت إلى عمل مرئي من إخراج عصام عبده، وتمثيل أعضاء الفرقة.

زين العشماوي مع فرقة الأمل:
كانت مدينة طرابلس نشطة حيوية عامرة بالفرق المسرحية وخاصة في الفترة الذهبية في السبعينيات وأتذكر زيارتنا لفرقة الأمل المسرحية ولقاءنا مع الفنان المخرج المصري زين العشماوي.. الذي كان أستاذا في معهد “جمال الدين الميلادي” للموسيقى والمسرح، ومتعاونا مع فرقة الأمل، وأشرف على عدة دورات في التمثيل والإخراج والإدارة المسرحية.

العشماوي قدم مع فرقة الامل عدة مسرحيات منها ..المهزلة الأرضية.. والفرافير، وهي من تأليف د. يوسف أدريس و إخراج زين العشماوي – 1971.

وحضر إلى ليبيا المخرج المسرحي، نبيل الألفي، بالاتفاق مع الهيئة العامة للمسرح وتنقل بين طرابلس وبنغازي، لتقديم دورات في فن إعداد الممثل، وللإشراف على لجنة قبول ممثلين في المسرح القومي الليبي، ضمت محمد توفيق وحسن الأزمرلي.

وتواجد في طرابلس المخرج الدكتور كمال عيد، الذي كان مستشارا فنيا لوزارة الثقافة الليبية لشئون الهيئة العامة للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، وعمل أستاذا في قسم التربية الفنية للمسرح والموسيقى بجامعة الفاتح (طرابلس).

الفنان حسن عبد الحميد في درنه:
وهو خبير مسرحي مصري، كان يقدم دورات في الإلقاء والحركة مع فرق درنة المسرحية، وأخرج العديد من المسرحيات هناك ومنها مسرحية «انتبهوا أيها السادة» سنة 1973.

المخرج المصري أبوضيف علام مع فرقة المسرح الحر:
حضر إلى طرابلس في سبعينيات القرن الماضي، وصحبة عدد من الفنانين الأكاديميين الليبيين الشباب، تم إنشاء فرقة مسرحية باسم «المسرح الحر». ومع هذه الفرقة قدم بكورة أعمال الفرقة وهي مسرحية ” تاجر البندقية” ومسرحية (العادلون) من بطولة الفنانة سعاد الحداد، وهي المسرحية التي حصلت على عدة جوائز وتكريمات.. وكان المخرج المصري عضوا فعالا في لجان اختيار الممثلين في المسرح الليبي. وساعد كثيرا في الإشراف وتقديم المشورات والتدريب لأعضاء فرقة المسرح الحر، هو يعتبر العضو المؤسس الشرفي للفرقة.

* الحقيقة أن أول فرقة مسرحية معروفة هي فرقة محمد قدري التي قدمت مسرحية بعنوان «الحرية» في مدينة طرابلس سنة 1908 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي