الجمعة. ديسمبر 6th, 2019

إشكاليات الهوية في المسرح العربي

كتب : علي ماجد شبو

إن نظرة محايدة، وسريعة، وغير عميقة، على الواقع العربي ستشي لنا عن عمق التناقضات القائمة في المنطقة العربية. هذه التناقضات تتجذر في الجغرافيا كما في التاريخ، فما إعتدنا على تسميته نحن عن جغرافيتنا بإسم “المنطقة العربية” أو ” الإقليم العربي” ، يعيد تسميتها البنك الدولي والعديد من توابعه بإسم “منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، وهوبذلك أزال منها صفة العربي أي أزال منها التاريخ قبل الجغرافية وأزال منها اللغة قبل التراث. وهي كذلك تسمى عند البعض الآخر بالشرق الأدنى، أما الخليج العربي الذي له إسمان آخران فيكتفي البعض بتسميته بالخليج دون صفة العربي. وعلى صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة العربية، فهناك فوارق هائلة بين بلدان غنية تفتح شهية وأطماع قوى كبرى، وأخرى في قاع الفقر تتصدر قائمة المساعدات “الإنسانية” لتلك القوى. وتتضح اكثر هذه التناقضات فيما بين البلدان العربية، بل وتزداد وضوحاً داخل البلد الواحد حيث تنقطع، في أحيان كثيرة، الصلات بين السلطة والشعب. ثم نرى تبايناً كبيراً في الواقع المعاش بين بلدان أنتجت حضارة كونية ساهمت في حضارة العالم وبلدان أخرى لها تاريخ اكثر تواضعاً.

بين كل هذه المتناقضات، ومن ركام هذه الوقائع ينتصب ويصرخ فينا سؤال : من نحن؟ وماذا نريد في بلادنا؟ ومالذي سنساهم به نحن، الذين نشغل هذا الحيز من الكرة الارضيّة، لحضارة وتقدم العالم؟ هذه الصرخة تُذيب على جوانب السؤال جواباً مختنقاً: إننا هنا موجودون. غير أن هذا الوجود كي يتحقق لنا ويكتمل بكل نشوته، وكي يميزه الآخرون، يجب ان يُنشئ هوية خاصة بِنَا.

ولكن مامعنى الهوية؟ الجواب حسب معجم لسان العرب، لإبن منظور، الهوية هي “إسم منسوب الى هو” وفي ذات المعجم تكون الهوية هي “البئر البعيدة القعر”. والتعريفان يتناغمان مع ثراء اللغة العربية وما ينحدر من ثناياها من عمق صوفي.

واللغة هي المكون الإساس في بلورة الهوية المجتمعية، وفي مجتمعنا العربي الكبير تستخدم اللغة العربية بنكهات المجتمعات المحلية المختلفة لكنها وفي كل نكهاتها المحلية تكون بهيّة. وفي بهاء اللغة، يقول الشاعر أدونيس إن ” لكل إنسان لغة، والإنسان هو إذن تحديداً لغة لايمكن تخطيها أو محوها. غير أن سرّ اللغة برزخي: تُوحدّ لحظة تفرق. تفرّق بحروفها ونطقها، وتوحدّ بما تنقله هذه الحروف من أفكار وبما تفتح هذه الأفكار من آفاق وبما تؤسس من علاقات”

لعل إستعراض سريع لبعض معاني الهوية من مصادر مختلفة في الفلسفة وعلوم النفس والاجتماع تساعد في فهم الهوية الفردية والهوية المشتركة او المجتمعية. عسى ذلك يؤشر لنا الاتجاه في البحث عن الهوية المفقودة لمسرح عربي يتسع لجميع الهويات الوطنية.

فالهوية ببساطة هي “الوعي بالذات” حسب إستيفان فيريه في كتابه “الهوية”. ثم يضيف بان “الوعي هنا لايشمل الحاضر فقط بل يمتد الى الماضي” (صفحة 30 و 31). غير ان وعي الكائن، سواء كان فرداً أم مجتمعاً، بحاضره ثم بماضية يعزز إحساس ذلك الكائن بوجوده. والإحساس بالوجود هو أحد المعايير الاساسية في تشكيل الهوية. وعليه فإن التغيرات التي تطرأ على الحاضر في الزمان وفي المكان “تتم بشكل متناسق ومتوافق مع الهوية التي في أصلها لم تتولد من هذا الشئ الذي تغيّر”. (ماهي الهوية، أليكس موكيللي ص27 ) اي ان التغيير لايتعارض مع الهوية إلاّ حين يكون هذا التغيير في أصل الشئ الذي تولدت منه الهوية. وحين تتبلور في أعماقنا “فكرة متميزة عن شيئ ما ثابت وغير منقطع عبر تغييرات مفترضة للزمان تكون هذه الفكرة هي الهوية أو التماثل أو النفسوية (mêmeté) “. (نفس المصدر ص 132 )

وحسب علم النفس تبدأ الهوية بالتشكل حين يتوقف التوحد أو التقمص عند الطفل (وفق تأكيد عالم النفس والمحلل النفسي الاجتماعي الأمريكي إريك إركسون) .في حين يرى عالم النفس النمساوي ألفرد أدلر Alfred Adler أن الشعور الاجتماعي المتأتي من الإحساس بالثقة والناتج عن العلاقة الطفولية المبكرة بالأم هو الأساس في صوغ الهوية الفردية ثم الهوية الاجتماعية التي تتبلورفي سياق العلاقة مع الاخر. بينما يرى عالم النفس البريطاني والمنظر رونالد لينغ بأن الهوية ترتكز جوهرياً الى مبدأ الاحساس بالثقة والذي ينبثق من الإحساس بالأمن الوجودي. فالأمن الوجودي المرتكز الى الثقة يساهم في تأكيد السيرورة الطبيعية للتراكم المعرفي والتكامل بين القيم والقدرة على التقييم اي القدرة على إصدار أحكام بنّاءة على التكامل الحاصل أو المنجز.

“هويتي هي مايجعلني غير متماثل مع أي شخص آخر” ، هكذا، وبكل بساطة يقول ذلك أمين معلوف في كتابه الهام “الهويات القاتلة”، وهو يعني هنا حصرياً الهوية الذاتية او الفردية. أي ان الهوية هنا تمنح صاحبها خصوصية حصرية لايمكن تكرارها عند الآخر. والسبب هو مجموع العوامل او العناصر او المعايير التي شكلت هذه الهوية. عناصر لاتجتمع مع بعض إلاّ حين تشكل هذه الهوية الحصرية.

ولكي نتوقف عند معاني الهوية اذكر، على عجالة، بعضاً من تعقيدات الهوية في الفكر وفي المعايشة. فهناك “الهوية الذاتية” كتعبير عن معتقدات الشخص. وهناك “الإحساس بالهوية” وهو نابع عن شعور بما هو عليه الفرد. وهناك “الهوية المؤكدة” والنابعة من الثقة في الإعلان عنها. وهناك الهوية الآنية والهوية المظهرية كما ان هناك هويات سلبية وإيجابية ويرتبطان بإشكالية تتعلق بالوعي الذاتي لسمات الهوية.

وكمدخل لفهم صعوبة تشكيل هوية جامعة للمسرح العربي كأقليم جغرافي واحد تتفرع عنه هويات دون الإقليمية محددة وواضحة المعالم، على سبيل المثال، نذكر المسرح المغاربي والذي يشكل هوية، الى حدّ ما، متجانسة تمتد لتشمل بلدان شمال أفريقيا، وهناك المسرح الخليجي وهو بدوره يشكل هوية، ربما، أكثر تجانساً يشمل كافة البلدان الواقعة على الخليج العربي. غير أن هاتين الهويتين متباعدتين في الخصائص ومتطابقتين في الوجود أو الإحساس في الوجود. ومابين هاتين الهويتين هناك هوية المسرح الشرق أوسطي وهي هوية لم تأخذ شكلها النهائي بعد أو لعل من الأفضل القول انها هوية في طور التكوين. غير إن حالة عدم إكتمال الهوية في الحاضر المعاش سيسمح للهوية – وهي كما ذكرت لاتزال في إطارها التكويني – ان تمتد لتربط فيما بين الهويتين المتباعدتين وأقصد الهويتين المغاربية والخليجية. وبذلك قد تستطيع ان تكون النواة لهوية جامعة للمسرح العربي.

أودّ أن أعيد التأكيد على أن الهوية الجامعة او المشتركة لمجتمع ما تتكون من مجموعة من العناصر ضمن شروط ومعايير محددة. وعناصر الهوية القومية العربية للمسرح تنسج من هويات وطنية مختلفة. هذه الهويات الوطنية، والتي تمثل كافة البلدان العربية، هي هويات في غالبها متكاملة وتحمل خصوصياتها. وهنا يأتي الدور على المجتمع الأوسع، المجتمع الأكبر، أي المجتمع الذي يحتضن كل هذه الهويات وكل هذه الخصوصيات، هذا المجتمع الغائب حالياً سيتوجب إستحضاره ليخطو أبعد من تجميع هذه الهويات الوطنية او لنسميها الهويات الفرعية، وأبعد من أن يعيد تشكيلها كقطع موزائيكية. هذا المجتمع الشامل والغائب سيترتب عليه البحث في ذاكرته عن عناصر متعددة لتشكل هوية جامعة لكل الإختلافات ولكل الإنتماءات القومية والدينية والمذهبية والإيديولوجية. وللمسرح الجاد هنا، وأقصد به المسرح الذي، بكل بساطة، يحترم جمهوره، مهمة إستثارة الذاكرة الجمعية في البحث والإيمان بالهوية المشتركة.

إن في ماضي المنطقة العربية مايجدر الإشارة اليه، خاصوصاً ذلك الماضي الذي ساهم في حضارة وثقافة وعلوم الغرب، والذي أفرز علماء كبار في الفلسفة والطب والفلك وعلم الاجتماع وسائر العلوم الاخرى وبالتأكيد في الشعر والأدب عموماً. غير أن فترة الدولة العثمانية خلقت حالة من التباعد الثقافي والمعرفي بين الغرب والشرق العربي، وبمرور الزمن أستمر هذا التباعد بالاتساع. ففي حين كانت دول الغرب تسعى لإستكشاف فروع جديدة من المعرفة وبتأكيد وتعميق ماكان موجود من معارف. في ذالك الوقت بالذات كانت الدولة العثمانية مهيمنة تماماً على الدول العربية، بل وأحالتها من دول منتجة للمعرفة الى دول تعيش خارج الزمن. هذه الحالة هي التي شكلت الفجوة الحضارية الحقيقية بين الغرب والشرق العربي. ذلك الغرب الذي يتعمق في العلوم والطب والفلسفة، في حين توقف الزمان في الشرق العربي عن التقدم والحركة، وغابت الأسئلة في المجتمعات العربية الى حين إنتهاء الدور العثماني بعد نهاية الحرب العالمية الاولى وبداية الوهم في عصر جديد يشرع في التحرر و تقرير المصير وخلق الهويات الوطنية من منظور الدول الراعية لإتفاقية سايكس بيكو. هذه الاتفاقية التي فتت جغرافية المنطقة العربية وخدرت تاريخها فتفتت معها الهويات المشتركة الى هويات ضيقة متناحرة. أعقب ذلك مباشرة بداية عصر الخلافة الأوربية في المنطقة العربية التي لاتزال ترسم لنا مستقبلنا إنطلاقاً من عواصم بعيدة وعصية المنال بالنسبة الى غالبية سكان المنطقة العربية.

غير أن البحث هنا يجب ان لا ينصب فقط على الماضي إطلاقاً، ففي الوقت الذي يكون فيه الماضي نبعاً فكرياً وعاطفياً للفرد كما للمجتمع، إنما يجب الحدّ من تمجيد الماضي ومقابل ذلك الشروع بتمجيد المستقبل. فإذا كانت للهوية جذور في الماضي وفي الذاكرة، فإن لها أيضاً مجسّات تغور في المستقبل.

وفي هذا الصدد أشير الى مقالة الباحث والأكاديمي هشام زين الدين والتي يذكر فيها ” أن البحث عن هوية للمسرح العربي في غير محله وفي غير زمانه كونه ينطلق من أساس وهمي غير موجود في الواقع- أي الهوية العربية- إلا في أحلام الشعوب التي يملك كل منها هويته الخاصة بكل ما تعنيه كلمة هوية من أبعاد قومية وثقافية وعرقية واجتماعية” وأنا إذ أتفق تماما مع الدكتور زين الدين أودُّ أن أشير الى عامل آخرهام وأساسي في تأكيد أو إستلاب الهوية وأعني بذلك: العولمة.

إذا كانت أهم مسارات العولمة لاتتوقف عند الاقتصاد والتجارة، فإن الحرية الكونية الواسعة الممنوحة للاقتصاد وللتجارة ستكون عاجزة بدون ناقل سريع لها بين شمال وجنوب الكرة الارضيّة. وهذا الناقل هو الثقافة. غير أن العولمة لا تفرز ثقافة واحدة، بل عدة ثقافات. لذلك فإن أشكال الثقافات التي تعممها العولمة سواء في الملبس والموظة أو في الموسيقى والغناء او في المطاعم وأسلوب تناول الطعام، وفي اللغة وفي السينما وفي الرواية وفي تناول الاخبار السياسية. هناك أمثلة كثيرة يمكن إيرادها عن صيغ الثقافات التي تفرزها العولمة ولكني سأكتفي بمثالين واضحين: الاول فيما يتعلق بالأخبار والحوارات والآراء السياسية، حين بدأت شبكة سي أن أن بثها في كافة قارات العالم وعقبها بعد ذلك، بسنوات، بل وخرج من عبائتها، عدد محدود من محطات التلفزيون الأوربية والآسيوية وحتى العربية ولكن هذه المرة بلغات متعددة. وكان لشبكة تلفزيون سي أن أن الريادة في تحويل الخبر السياسي والإعلامي والآراء والحوارات السياسية من صيغ ثابتة وجامدة وغير جماهيرية الى صيغ المتعة والترفيه والتسلية (entertainment). وأسست بذلك “لثقافة المتعة” في مشاهدة حروب مباشرة على الهواء، وقتل مباشر على الهواء، ومعارك حوارية سياسية مباشرة على الهواء. هذه ثقافة ذات جدائل غريبة عن السلوك والاخلاق الشرقية لكنها الآن تمأسست في الوجدان الجمعي للمشاهدين.

والمثال الثاني يتعلق بحمّى إنشاء المراكز التجارية في المنطقة العربية المسماة “مول” وهو تعبيرأمريكي أيضاً. والمول هو شكل مشوه، ولكن حديث، للسوق العربي القديم القائم على مجموعة من الطرقات الضيقة والأزقة إنما جميعها تصب في بعضها. طرقات تزدحم بالمهن المختلفة، فهنا طرق تزدحم بصياغة الفضة والذهب وأخرى بطارقي النحاس، وهناك طرق ممتلئة بألوان الحرير وسائر الأقمشة والملابس، وأزقة تمتلئ بالعطور والبخور وأخرى بالتوابل المتنوعة.

إن الثقافة المنتجة من هذين المثالين، وما ذُكر قبل قليل عن الثقافات المتعددة التي تفرزها العولمة، تُنشيء هذه الثقافات بمجموعها ثقافة شمولية تمحو إمتيازات الهوية الفردية أو المجتمعية الخاصة، وتُنشئ، عبر كل هذه الثقافات، تنميطاً ينحو نحو بلورة هوية نمطية تفتقد الى المكان أو الجغرافيا. وأعيد التأكيد، هنا، بأن الهوية، فردية كانت أم مجتمعية، ترتكز على إسنادات موضوعية تاريخية وأخرى مادية وهي بالتالي عناصر معروفة وممكنة التحديد. في حين إن الهوية الثقافية تتشكل من خيارات ذات نمط واعٍ يكون محورها الانسان والمجتمع الإنساني. ولكي نعتمد تعريفاً للثقافة متفق عليه عالمياً، أُورد هنا تعريف اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة) وهو ذاته يمكن، بالنسبة إليّ، أن يشكل الصيغة المثلى للهوية الفردية والمجتمعية. الثقافة هي :

“جميع السمات الروحية ، والمادية، والفكرية، والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها، وتشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات. والثقافة هي التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير في ذاته، وتجعل منه كائناً يتميز بالإنسانية المتمثلة بالعقلانية، والقدرة على النقد، والالتزام الأخلاقي، وعن طريقها يهتدي إلى القيم ويمارس الاختيار، وهي وسيلة الإنسان للتعبير عن نفسه، والتعرف على ذاته كمشروع غير مكتمل وإعادة النظر في إنجازاته، والبحث عن مدلولات جديدة، وإبداع أعمال يتفوق فيها على نفسه”

هذا التعريف المتكامل هو، كما ذكرت، أفضل تعبير عن الهويتين الفردية والمجتمعية. فهو يؤكد أيضاً على العلاقة الجدلية القائمة بين ال “أنا” وال “نحن” أي بين الإنصهارالإنفعالي والاستقلال العقلي الواعي. فالهوية الجمعية أو المجتمعية تستند الى أحاسيس الفرد بالإنتماء والتقدير والثقة. وإن هذه الاحاسيس تمتد كجذور عميقة في داخل الهوية الإجتماعية والتي تشكل العمق الإنثروبولوجي للفرد في إطار مشاركته الوجدانية داخل مجموعته الإنسانية.

هذه التوصيفات للهوية المجتمعية تبتعد بدرجات متفاوتة عن واقع مانجده في كل بلد عربي وهذا أيضاً ينطبق، الى حدّ ما، على الهوية الفردية. أي مايعزز ماسبق ذكره عن غياب هوية جامعة ومشتركة للمسرح في المنطقة العربية، وهو بالتالي غياب للمسرح العربي كهوية وكيان لإفتقاده السمات الاساسية التي تشكل جوهر هويته.

لعل من البديهي القول إن اللغة العامية، او اللهجة المحلية، لا تمنح المسرح هوية أهل البلد الوطنية. أي أن إستخدام اللهجة المحلية غير كاف ليمنح المسرح هوية خاصة. لإن هوية المسرح ستتجذر، وطنياً وإقليمياً، حين يكون قادراً على فهم كل مايدوروكل ما يؤثر في حركة المجتمع. وان يكون قادراً على طرح ومناقشة هذا الفهم بنظرة إنسانية موغلة في الحساسية تحمله الى ما وراء الحدود الواضحة للمجتمع المحلي. وفي ذات السياق، إن التجريب في المسرح سيكون هاما وإبداعيا في المجالات الفنية والتقنية وكذلك في أساليب توقد الوعي ولكن ليس، بالتأكيد، بتمويه الأفكار وتغييب العقل في الرؤيا المسرحية النهائية.

وإنطلاقاً من ما تقدم، أود أن أسجل، ملاحظتين فيما يتعلق ببعض العروض والمهرجانات المسرحية التي تزين العديد من عواصم ومدن المنطقة العربية: الأولى فيما يخصّ الكثير من العروض المسرحية والتي أراها تفتقد الى الهوية المشتركة مما يجعلها بالضرورة فاقدة للمعنى الوجداني العربي، إضافة الى ذلك، فإن مجمل هذا النمط من المسرحيات، وبسبب الاستنساخ الفكري والجمالي المشوه، يكون محملاً بكارثة أخلاقية تتلخص بالاستعلاء على الجمهور الذي تناشده. وهو، في تقديري، ما يلغي عنها شروط التشارك السري بين الجمهور وخشبة المسرح وتقاليده المعروفة. ولعل البحث في جذور الهم الإنساني في المنطقة العربية يمكن ان يفرز أعمالا تتجاوز الحدود القطرية للبلد الواحد وربما تتعدى حدود المنطقة بهوية إنسانية شاملة تحمل هموم وتطلعات وحداثة المجتمع العربي. والملاحظة الثانية، تخص تعدد المهرجانات المسرحية وهو شيء يدعو الى السعادة بذاته، إلاّ ان معظم هذه المهرجانات تفتقد أيضاً الى الخصائص التي يجب ان تنبثق، على الأقل، من الأهداف التي إنشأت هذه المهرجانات من أجلها، وأعني بذلك خصائص تشكيل هوية أية مهرجان وفرادته وتميّزه. ولعل الدليل الواضح على ذلك هو ان المسرحية التي تقدم في مهرجان كذا يمكن ان تقدم كذلك في مهرجان آخر وغيره. أي وبإختصار شديد، ان تعدد المهرجانات في المنطقة العربية يستدعي وبإلحاح بإن تكون لهذه المهرجانات معايير منبثقة من خصوصية كل مهرجان، معايير تمّكن هذه المهرجانات من رفض حتى الاعمال الجيدة التي لا تتوافق وهويتها. معايير تعيد لكل مهرجان خصوصيته وفرادته وتميزه.

وأخيراً، أودُّ الإشارة الى الطريقة التي وصفت بها العولمة وهي بالتأكيد مقصودة. فأردتُ أن أبرز بعض أهم الارتدادات السلبية للعولمة على الهوية. ولكن وقد قلتُ ماقلت أودُّ أيضا أن لانكون خارج حركة التاريخ. فالعولمة، شئنا أم أبينا، هي المقطورة الكبيرة التي تسحب وراءها مجتمعات متناقضة وثقافات متنوعة والأهم من ذلك إنها تسحب أزمنة التاريخ وتعيد صياغتها بما يتناسب معها. فالهوية النمطية الشرقية للعرب والمنطقة العربية، بحسب هوليوود وخزين الذاكرة الجمعية الغربية، تبدأ بحكايات الف ليلة وليلة، وتمر بمغامرات السندباد والبساط السحري وتنتهي بمدن تزخر بالحريم المتشحات بالحرير الملون الشفاف وبالفرسان السمر الذين يمتشقون السيوف ويمتهنون الخيانة والغدر. هذه هي الهوية النمطية العربية، كما رسمها الغرب. ولكي نقلب المعادلة ونرسم نحن هويتنا يجب ان نستخدم ذات الأدوات التي استخدمها الغرب في رسم تلك الهوية.

وفي الختام، إذا كنّا نشعر جميعاً بتهديدات العولمة للهوية العربية ومحاولات تنميطها خارج إطارات المكان والجغرافيا، فيجب ان نستلهم من تاريخنا العربي مايعيننا لمعالجة الامرعلى طريقة “وداوها بالتي كانت هي ألداء”. وهذا النوع من العلاج، والمسمى بالعلاج التجانسي، وهو أن تأخذ من مسببات المرض لقاحاً لمعالجته. أي العودة الى “البئر الإولى” في تاريخنا. حيث أن إصرارنا على الوجود بكينونتنا الشرقية العربية، بوضوحها وبسحر غموضها وبقَدريّتها وبروحانيّتها، هو بذاته هوية منيعة امام ابتلاع العولمة لخصوصياتنا او لمحوها تدريجياً. فالعولمة تستطيع ان تكون جسراً لنا الى ثقافات أخرى ولعلها تكون عنصراً إضافياً في صياغة هوية جامعة للمسرح العربي. صياغة تنبثق من روح المجتمع العربي التواق للحداثة ومن الروح الشرقية العربية المختبئة بين ثنايا المعنى، وبِسِماتٍ لاتخلو من حشمةٍ وغموض، هي كل تركة التاريخ والجغرافيا على هذه المنطقة العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي