الجمعة. ديسمبر 6th, 2019

الفن … ظاهرة غريبة! الصداقة عنف مثل الحب! والفن ليس حياديا !

بقلم : محمد سيف – باريس

على خشبة مسرح أنطوان في باريس، يعلب الممثل: تشارلز بيرلينج، وجان بيير دارروسين، وآلان فروماج، شخصيات (مارك، إيفان وسيرج)، الثلاث في مسرحية ” فن”، لياسمينا رضا. لم يكن جميعهم رائعون فحسب، وإنما كانوا يلعبون معا بشكل نادر كما لو أننا لم نره من قبل في المسرح، فقد شكلوا ثلاثي أعاد وضع المسرحية بطريقة أكثر دقة وتعقيد مقارنة بالعرض الذي شاهدناه عام 1994، بتوقيع نفس مخرجها اليوم (باتريس كوربرات)، ولكن، من خلال أداء ممثلين آخرين: شارك بيير أرديتي وفابريس لوتشيني، برفقة بيير فانيك، وبحثهم عن عمل الممثل الحقيقي. لذا، وعلى الرغم من تقديمها اليوم من قبل نفس المخرج ولكن ومع ممثلين مختلفين، فإننا نعيد اكتشاف هذه المسرحية، التي تُعد أكثر الأعمال الدرامية الفرنسية المعاصرة التي لعبت في العالم، بحيث تمت ترجمتها إلى أكثر من 35 لغة: فهي أقل فرجوية، وأكثر إنسانية، بخلخلتها وحزنها الذي يظهر تحت يافطة أو بالأحرى قناع مسرح البوليفارد؛ نعيد اكتشاف مسرحية ياسمينة رضا، وحواراتها الممتازة التي تجعلنا نفكر في الفن بشكل عام، والمعاصر بشكل خاص، ونفكر أيضا في الصداقة، وكيف تتطور علاقاتنا على مر السنين. بلا شك، إنه نص مثير للاهتمام ومضحك جدا، في ذات الوقت، خاصة عندما نستمع إلى هذه العقليات الثلاثة المتعارضة، والصراعات التي يمكن أن تلد بسبب لوحة.
إن هذا النص، أوشك ان لا يرى النور، فهو مأخوذ عن قصة حقيقة، وقد تخلت عنه مؤلفته في وقت من الأوقات، لكنها في موجة من الندم والأسف الشديد، رجعت إليه وقامت بإعادة كتابته ثم نشره. تعالج (ياسمينا رضا) هذه الشخصيات الثلاثة من خلال نظرة شيطانية إلى حد ما. لقد بدأت بكتابة النص من واقعة حقيقية – اشترت جارتها لوحة رائعة. وهي تبتسم بسذاجة بعض عشاق الفن. ثم أضافت لهذه الواقعة أثناء كتابته شخصية (إيفان)، الذي يجعل المتفرجين يضحكون كثيرا إلى الحد الذي يجعلنا لا نسمع كل ما يقوله. أما الاثنان الآخران (سيرج ومارك) فيسحبان سكينا على بعضهما البعض… بعد نقاش حاد حول الفن المعاصر.
تتألف المسرحية من ثلاث شخصيات، (مارك، سيرج، وإيفان)، وهم أصدقاء منذ سنوات عديدة. (سيرج) إنسان استطاع أن ينجح في حياته، وغالبا ما يتردد على عالم الفن المعاصر، في حين أن (مارك)، متمسك بقيم اكثر تقليدية، ويستند وجوده عليها لأنها تشعره بالآمان نوعا ما، أما (إيفان)، فهو شخصية تحاول قدر ما تستطيع تجنب المواجهات والصراعات، لهذا نراه يتسامح ويقبل بسهولة بأفكار الأخرين وآرائهم، بالإضافة إلى ذلك، إنه غير راض عن وجوده. وبعد شراء (سيرج) للوحة بيضاء بقيمة 30 ألف يورو، تبدا المواجهة بين الأصدقاء الثلاثة.
• القصة
(مارك) يدعى من قبل صديقه (سيرج) للحضور، ولمشاهدة التحفة الفنية التي اشتراها للتو بسعر200000 يورو. وهي عبارة عن لوحة من قماش أبيض حجمها 1.60 متر تقريبا على 1.20 مطلية بالأبيض، مع حواف بيضاء ناعمة وجميلة. (مارك)، لا يفهم لماذا، ان صديقه يمكن ان ينفق مبلغًا مماثلًا على لوحة بيضاء (خراء أبيض)، كما يقول. فيبدي وجهة نظره، بغض النظر عن رأي (سيرج) بها. ثم يذهب (سيرج) إلى (إيفان)، صديقهما المشترك، ليخبره عن عدم فهمه لموقف (مارك) إزاء عملية شراء اللوحة. (إيفان)، بدوره لا ينشغل بالتفكير بموضوع اللوحة، لأن اقتراب زواجه يجعله متوترا، ولا يريد أن يزعج صديقيه. يبدأ (سيرج ومارك) في مشادة كلامية يجران إليها (إيفان) إلى المواجهة. وهكذا، يمزق الأصدقاء الثلاثة بعضهم البعض أمام هذه اللوحة البيضاء، التي تستدعي جميع الحجج الموجودة حول الفن الحديث والمعاصر. المواجهة بين الأصدقاء الثلاثة، تتجاوز حدود مسألة الفن ولا تترك أحدا منهم في منأى، بحيث يصل الأمر بـ(سيرج) إلى قول ما يفكر به حقاً في زوجة صديقه (مارك)، وبالمقابل يذهب (مارك) إلى حد تقديم النصيحة إلى (إيفان)، ومطالبته بإلغاء زواجه، معتبرا، أن بزواجه سوف يرتكب خطأً فادحا. وهنا تنشأ معركة بدنية بين (مارك وسيرج). أخيرًا، من أجل إنقاذ صداقتهم، يضحي الأصدقاء الثلاثة باللوحة من خلال الرسم فوق سطحها، بشكل مشوه، ثم يخرجون لتناول الطعام معًا.
كيف نتفاعل مع شراء باهظ لعمل فني يبدو بالنسبة لنا غير منطقي؟ ولكن الأمر لا يتوقف عند هذه الحدود، لاسيما أن هذه الكوميديا تذهب إلى ما هو أبعد من الجدل الدائر حول الفن المعاصر. صداقة عاطفية وحصرية تربط هؤلاء الأصدقاء الثلاثة، (مارك) يوبخ (سيرج) لتكريسه المزيد من الإعجاب بلوحة أكثر من الاهتمام بنفسه. (إيفان) يحاول قدر ما يستطيع أن يخنق هذا الصراع، دون الانشغال بآراء أصدقائه وحماسهما، فهو، مثلما يبدو، من خلال مواقفه، إنسان حياته مملة وتكاد ان تكون رمادية. الصداقة هي عنف مثل الحب، مثلما يقول المخرج. نحن نعلم أن الصداقة ليست أبدية ويمكن خيانتها، لأنها غالبا ما تكون هشة. وعندما تقع مأساة لنا، فإننا غالبا ما نعول على الأصدقاء. وهناك قول لا أتذكر لمن، يقول بما معناه: إنك تفقد أصدقائك عندما تفكر انهم أبديون”. إن الصداقة، مثلها في ذلك كمثل الحب، قيمة تلعب دورها، خلافا لذلك فإنها تصبح صداقة تقليدية. في الصداقة، هناك هذا الجانب الدنيوي، الاجتماعي، غير المجدي، والنفعي. وكثيرا ما أثبتت لنا الحياة أنها عكس الصداقة تماما. إن اختيار المسرحية، بحد ذاته، من قبل المخرج، بمثابة اختبار قوي بشكل خاص للشخصيات الثلاثة؛ اختبار يجعلنا نتساءل: هل سيكون هذا الانفجار قاتلاً لصداقتهم؟ هل سيكون تجديدا لها؟ حقيقة لا نعرف. وهكذا يبقى السؤال مفتوحا على مجموعة من القضايا التي تتعلق بالمشاكل الإنسانية. ماذا يفكر هؤلاء الثلاثة حقاً في بعضهم البعض عندما تطفو على السطح الحقائق غير المعلنة وغير المنطوقة؟ وهل نعرف حقا بعضنا البعض جيدًا بعد سنوات عديدة من الصداقة؟ أبيض أم لا، إن هذا اللوحة البيضاء تعطينا انعكاسًا لما يفكر فيه الجميع. وهذا ما يؤكد على ان الفن ليس حياديا، وهنا تكمن المشاعر في هذه المسرحية الشائكة، التي تنتمي إلى الكوميديا العميقة، ربما لأنها تضحكنا كثيرا، وربما أيضا، لأنها لا تساؤلنا عن العلاقات الإنسانية فحسب وإنما عن الخلق أيضا. إن مسرحية (فن) عظيمة سواء من حيث الكتابة أو التفسير أو الأداء. ونشعر من خلالها بالتواطؤ والتغاضي الكبير بين الممثلين الثلاثة. بحيث تبدو النظرات المتبادلة بينهم والصمت والإيماءات، كلها طبيعية وواضحة.
(Jean-Pierre Darroussin) (إيفان)، يفاجئنا في خطبته العنيفة المسهبة، التي يشرح لأصدقائه (مارك وسيرج) من خلالها سبب تأخره في الحياة. ونجده ذات شعبية محبوبة ونحن نتابعه في فديموغرافيا (Robert Guédiguian). (Alain Fromager) (سيرج) يخيم على العرض ببراعة رجل مغرور قليلاً، ولديه تقدير معين لذاته، لكننا سرعان ما ندرك نقاط ضعفه التي تجعلنا نتعاطف معه. (Charles Berling). (مارك)، يفسر من خلال حضوره الكبير، شخصية الرجل العقلاني للغاية، الذي يفتقر إلى المرونة، ولكنه يبدو عاطفيا جدا أيضا مما يجعله أحيانا مستبدا نوعا ما. وأخيراً، ولكي يزداد الطين بلة: فإن اللوحة تصبح ذريعة لكي يحصل كل واحد منهم، وبشكل دبلوماسي مناسب، على موضوع ديماغوجي صغير يتناقض من خلاله مع أصدقائه. بيد أن العمل الدبلوماسي يجعل من الممكن تجديد العلاقات، مما يجعلنا نتساءل: هل ستكون هذه الصداقة، التي تعرضت للتلف والإصلاح على أساس الكذب، هي نفسها كما كانت قبل اللوحة البيضاء؟ … لا شيء يبدو مؤكدا. ومن وجهة نظر معينة، فإن إخراج باتريس كوربرات، كان وثيق الصلة تماما بذلك، بمعنى أنه وجه بسرعة فائقة عقدة العمل نحو تفكك الصداقة ونأى بها بعيدا عن التساؤل حول تبرير فن حديث معين (هل ينبغي علينا اليوم أن ننعته بالمعاصر؟).
لقد خفف المخرج بعض الحوارات التي كانت قد توحي بأن اللوحة هي أصل المشكلة. وخاصة عندما أشار مارك، إلى ان صداقتهم قد تغيرت في اليوم الذي حدثه فيه (سيرج)، عن (التفكيكية) في الفن، وهو نوع من الكسر الذي يحدث بين هذين النموذجين اللذان ينتميان إلى المجتمع البرجوازي: طبيب أمراض جلدية يخدع نفسه بواسطة عجرفته وتفاخره بالفن المعاصر، ومهندس طيران يقاوم كل تجديد. وقد لعب الإخراج بشكل مثالي على لعبة مسألة العلاقات الإنسانية التي هي أساس العاصفة التي يمر بها هؤلاء الرجال الثلاثة وهم على حافة أزمة عصبية، وذلك، من خلال وضع (إيفان)، الأكثر ضياعا من الآخرين، يأخذ على عاتقه مسؤولية توضيح مدى تعقيد الصداقة التي نفرضها، على الآخر بكل صورها وأوهامها. هذا هو السبب الذي جعلنا نضحك بصوت عال، كما يجسده هذا الإخراج، بتأكيده على المواضع المؤلمة، لأنه في ظهوره كموفق معتدل كبير، ربما يكون هو الذي يقترح أكثر أشكال الصداقة غير النزيهة. جان بيير داروسين، على الرغم من كونه كبير في السن على الدور (ولا يمكن تخيله على وشك الزواج!) يتألق في لعبه، سواء من خلال التعاطف الذي تلهمه إياه شخصيته والمشهد الهزلي العظيم الذي يشرح فيه، أنه لم يعد يعرف أين يضع رأسه بين زوجته وأمه وحماته، عند إعلانه عن زواجه، وما إلى ذلك …
التهكم والسخرية يبدأن من الحوار الأول الذي يصف اللوحة” خلفية بيضاء ذات حدود بيضاء”، وكان من السهل أن يجعل من (سيرج)، يكون كبش فداء المسرحية، رجل سخيف بما فيه الكفاية نتيجة لشرائه لوحة بسعر باهظ، وهذا فعل يمكن لأي شخص القيام به، ببداهة.
كان الإخراج نظيفا مثل “قماش أبيض”، جدران بيضاء، أريكة بيضاء، أرضية بيضاء. لا يختلف كثيرا عن العرض الذي شاهدناه من قبل إلا بالحركات المتسارعة وطريقة لعب الممثلين. في هذا الديكور الذي يهيمن عليه البياض في كل مكان، تتطوّر الشخصيات وترتدي الوان داكنة. اللعب بالضوء يحملنا من خلال طياته إلى الأفكار السرية الموجودة داخل بعضنا البعض. انها جميلة، حميمة، مؤثرة، ومتحركة إلى حد ما. كيف يمكن، بذريعة ذات أهمية ضئيلة – شراء لوحة من القماش أحادية اللون باهظة الثمن – أن تصدع صداقة قوية وسعيدة؟ كيف تتحول الكلمات المتبادلة إلى أسهم مسمومة؟ كيف تنطلق سهام الشر وتتطور حتى تلك اللحظة التي ينفجر فيها كل شيء؟
من خلال المونولوجات، والنقاشات الحادة، يتم الكشف في هذه المسرحية/العرض، عن الحوارات القاتلة بقدر ما هي قوية، وعن الادعاءات الزائفة، وسوء الفهم، وألعاب القوة التي تقوم عليها الصداقة المفككة. مثل ناتالي ساروت، التي تفحص الاختلافات اللانهائية من خلال التحركات الداخلية الناتجة عن أسباب خارجية مثل ارتفاع طبقات الصوت أو الترنيم في نص (بسبب أو غير سبب)، تستخدم ياسمينة رضا شراء لوحة، لتحديد مدى تعقيد العلاقات الإنسانية، ووضع الأصبع على مكان الجرح غير المندمل. إنها تفعل ذلك دون حكم وتختار أن تضحكنا. وبالتالي، يبقى الأمر متروك لنا للاستماع وإدراك ما يخفيه التمزق، والجنون، وحتى الشعور بالوحدة المؤلمة. وفي نهاية المطاف، نحن أمام كوابيس هزلية أو بالأحرى مآسي مضحكة. هذا ما تحاول ان تصوره لنا مسرحية (فن) لياسمينا رضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي