الخميس. ديسمبر 5th, 2019

الدكتورة انديرا راضي تكتب : روح الثورة وثقافة القرب في المهرجان الوطني للمسرح التونسي

احتفاء بالحصاد المسرحي، ومعاضدة لجملة المواعيد المسرحية التالية والسابقة، عاشت تونس بهجة وألقا على مدى ما يقارب شهرين كاملين (22سبتمبر/16نوفمبر) في الاحتفال بفاعليات المهرجان الوطني للمسرح التونسي في دورته التأسيسية التي حملت اسم الفنان الراحل “المنصف السويسي” صاحب التاريخ الطويل والعبق الاستثنائي للأجيال المسرحية الحالية والصاعدة، تكريما لما قدمه للمسرح التونسي من خدمات جليلة وعطاءات دالة فاعلة أهمها الخروج بالفعل المسرحي من الدار الضيقة بحياة العاصمة إلى ولاية الكاف وتأسيسه للفرقة المسرحية بها عام 1967 واليد الطولى في بعث كل من مؤسسة المسرح الوطني التونسي وأيام قرطاج المسرحية عام 1983.

مهرجانا جمع بين العروض والندوات والموائد المستديرة للحوار والنقاش والورشات التقنية التفاعلية والمعارض التوثيقية والقراءات المسرحية والاستعراضات والارتجال والكرنفالات وعروض مسرح الشارع والتنشيط والذكريات والصور ولقاءات المحبة وتبادل للأحلام والآمال وأكاليل الغار والياسمين. تابع الجمهور الكثيف والنوعي أكثر من مائتي عرضا مسرحيا تونسيا من صنفي الاحتراف والهواية (إنتاج 2018/2019) موجا للكبار والأطفال موزعة في مختلف ولايات الجمهورية، عروض شيقة تهدى لعشاق الفن الرابع داخل المدن والحواضر والقرى، وتوطين الفرجة المسرحية لدى الجمهور كعادة مجددة. حيث يكون الفعل المسرحي فعلا مواطنيا بالأساس قائما على ثقافة القرب قاطعا مع هيمنة العاصمة والمركزية الثقافية. معاضدة لسياسة اللامركزية في المجال المسرحي. علاوة على فوائد تدوير الأعمال المنتجة في تلك الشبكة التوزيعية التي أقامتها هذه الدورة لمزيد من التفاعل والمقارنة والتسابق والتأثر المتبادل. فكانت الانطلاقة من مدينة “الكاف” ال تي عرفت أول بعث فرقة مسرحية جهوية ثم بولايات “سيدي بوزيد” و”تطاوين” و”القيروان” ثم ولايات “قفصة” و”المهدية” و”زغوان” وتواصلت الفعاليات بولايات “مدنين” و”القصرين” و”نابل” و”قبلي” واستكملت التظاهرات بولايات ” قابس” و”جندوبة” و”بنزرت” واستمرت لتصل لولايات “صفاقس” و”المنستير” و”منوبة” تتبعها ولايات “توزر” و”بن عروس” تليها ولايات “أريانة” و”سليانة” و”باجة” حتى اختتمت الدورة التأسيسية للمهرجان بمدينة “تونس” العاصمة. فكان المهرجان بذلك بيدرا واسعا رحبا، ومنصة شاسعة لاحتواء الحراك المسرحي المتنوع والمتشابك والمتواصل والثري.

توافقت هذه الدورة مع تعميم مراكز الفنون الدرامية والركحية في جميع جهات وولايات الجمهورية تفعيلا للحق الدستوري في ممارسة الثقافة ونشرها بين الأفراد. وكشريك أساسي فاعل لدعم هذا المهرجان وتنفيذ لبرامجه الاستراتيجية في الاطلاع على مجهودات الشباب المبدعة ورعايتها وتثمينها، وتجديد طرائق تعامل الإدارة الثقافية الرسمية مع ذاك الزخم الإبداعي الواعد من المهارات والهوايات والتجليات. كما شملت الدورة تكريما لمجموعة من الأسماء الفاعلة في مجال الفن الرابع (نساء ورجالا، في مختلف مواقعهم من العملية المسرحية) منهم الراحلين ممن تركوا لنا بصمة واضحة وتاريخا مضيئا حافلا بالإبداع ومنهم من تتواصل مسيرته بثراء وعطاء وألق. وحاولت هذه الدورة أن تكون في مستوى التطلعات والرهانات التي وضعتها هيئة التنظيم والإدارة والتنسيق من خلال اجتهادها في طرح لتساؤلات جديدة وقضايا راهنة انطلاقا من مقاربات ومحاورات وأفكار تمس الواقع الثقافي الحالي وتؤسس لحوار جديد بناء يمهد لمزيد من التقارب بين المؤسسة الثقافية الرسمية وأحلام الفنانين الثورية وأحلامهم ورؤاهم الطليعية.

كما خصصت وزارة الشؤون الثقافية التونسية جوائز مالية بلغت 54 ألف دينارا تونسيا تمنح للأعمال الثلاثة الفائزة في المسابقة “إكليل ذهبي” و”إكليل فضي” و”إكليل برونزي” لأفضل عمل في الإخراج والتمثيل والسينوغرافيا والنص المسرحي. وحرص مدير الدورة د. “محمد مسعود إدريس” ومنسقها العام د. “سامي نصري” ولجان التقييم الموقرة ومديري الندوات على الانفتاح على جميع الفنانين من العاصمة وخارجها فكان الافتتاح قادما من عاصمة الجنوب صفاقس بعرض للكوميديا ديلارتي بعنوان “المهفات” للمبدع الهاشمي العاتي. أما الاختتام فكان عبارة عن مقتطفات من أهم أعمال الرواد.

وجاءت جوائز الاحتراف كالآتي:

جائزة الاكليل البرونزي: أسندت لمسرحية سيكاتريس لغازي الزغباني. جائزة الاكليل الفضي: أسندت لمسرحية رسائل الحرية لحافظ خليفة وجائزة الاكليل الذهبي: أسندت لمسرحية سوق سوداء لعلي اليحياوي.

أما في الهواية فكانت النتائج كالآتي:

جائزة الاكليل البرونزي: أسندت لمسرحية المحروقة للجمعية التونسية للتنمية الثقافية والفن المتجول. جائزة الاكليل الفضي. أسندت لمسرحية دستوبيا جمعية كارمن للفنون والثقافة. جائزة الاكليل الذهبي: أسندت لمسرحية كم 7 جمعية انوار المسرح بفوشانة.

وقد استقبل الفنانون المشاركون والجمهور المتواجد في ليلة اختتام المهرجان، النتائج المعلنة من قبل لجان التحكيم بتباين انفعالي متوقع. منهم لم يرضى عنه الأسماء والعروض الفائزة ومنهم من استحسنها.

انتهت هذه الدورة الاولى من المهرجان الوطني للمسرح التونسي ولن ينتهي الحديث عنها. مهرجان عوض أسبوع المسرح التونسي الذي توقف قبل قيام الثورة والجدير بالذكر أن تظاهرة «أسبوع المسرح التونسي» كانت موعدا مسرحيا قارا يقام بتونس العاصمة ويجمع أهم الانتاجات المسرحية ولا يلامس أعماق البلاد، لكن بعد قيام أيام قرطاج المسرحية تراجعت هذه التظاهرة الى أن اختفت نهائيا، وعودة المهرجان مكسب وطني ينضاف لسياسة الحقوق الثقافية للتونسيين بعد الثورة من أجل غد أفضل. وكما ورد في كلمة السيد وزير الشؤون الثقافية الدكتور محمد زين العابدين ترنو تونس لمسرح ينخرط في إصلاح جوهري للسياسات الثقافية العمومية لتكون الثقافة وأهلها مقدارا ومعيارا ومرجعا وقيادة ضمن الأولويات الوطنية الرمزية والدلالية للوطن.

فهنيئا للمسرحيين التونسيين مهرجانهم وعاش المسرح وحمى الله تونس وكل الأوطان العربية.

د. أنديرا راضي – أستاذ الفنون الدرامية – جامعة قرطاج تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي