الأثنين. يناير 27th, 2020

مسرحية (هناء) .. للمسرحي العراقي : ضياء حجازي .. وركوب الموجة الأصعب


محمد سيف – باريس


لم يكن الفنان العراقي (ضياء حجازي، يلعب شخصية (هناء) فقط، وإنما كان يعيش بكثافة عالية القصة المروعة لهذه الشخصية، التي أراد من خلالها الانتصار للمرأة، لدرجة انه لم يستعن بممثلة لأداء الشخصية النسوية، وإنما قام بنفسه بذلك، ربما لأنه يريد التماثل مع عذاباتها، ولهذا لم يلجأ إلى السهولة واكتفى بتقديم مأساتها، بإسناده الدور لممثلة تنتمي إلى نفس جنسها، واعتقد لو انه لجأ لذلك لأصبح العرض عاديًا ومألوفا، وشأنه شأن أي عرض يتناول قضايا المرأة ومعاناتها. لهذا السبب قرر ان يركب الموجة الأصعب، وان يدخل في جلد (هناء) وأحاسيسها، وطريقة تفكيرها، وهي تعاني من قسوة العائلة والمجتمع والزوج، ومن كونها امرأة في مجتمع لا يشعر بعظمتها كأرض يتجدد العالم بأسره بفضلها.


• قصة العرض كما جاءت في البرنامج المسرحي
(هناء امرأة عاشت معاناة التعرض لفعل شنيع هو الختان، وهي مازالت يافعة. تزداد معاناتها بعد قرار الأهل تزويجها من رجل غريب وقاس، وهي مازالت صغيرة السن.


هناء امرأة كانت تحلم ككل الفتيات بالحب وبالحياة الهانئة وببناء أسرة، لكن العنف النفسي والجسدي المباشر الذي يشكله تشويه جزء حميمي من جهازها التناسلي وحرمانها من حق أساسي من حقوق المرأة، ومن ثم زجها في بيت زوجية موحش يمارس فيه الرجل كل أشكال العنف ضدها، يحطم كل أمل لديها في أن تعيش حياة طبيعية، خاصة بعد هجر الزوج والأهل لها).


إن اختيار ضياء حجازي لشخصية (هناء)، ويومياتها الحميمة، كانت بلاشك، وسيلة وغاية، في الآن نفسه. إنها لعبة أدبية وأدائية، قام بلعبها من أجل أن يكتب عرضا مسرحيا على لسان حال فتاة لا نعرف عنها الشيء الكثير، وهذا وحده كاف لأن يسمح له باختلاق أحداث كثيرة تجمع في طياتها العديد من القصص والأحاجي والحالات غير المعقولة التي تتعرض لها المرأة في مجتمعاتنا العربية، بل والعالمية أيضا. لا سيما انه كتب عملا مسرحيا ركحيا وليس سيرة ذاتية، لأن الحياة الشخصية لا تستحضر أو تستنطق إلا من خلال التلميح والإشارة، لهذا لم تلجأ الكتابة المسرحية في هذا العمل إلى السرد التسلسلي للأحداث التاريخية المنظمة، بقدر ما كانت عبارة عن استحضار غير تاريخي وغير تقليدي لمقتطفات متشذرة من حياة (هناء)، مما جعل النظام السردي فيه، يكون مضطربا وقلقا، وشبيها بحالة بطلته، بعض الشيء.


لقد لبس ضياء حجازي كممثل ورجل في آن واحد جلد فتاة، ارتدى ملابسها، تقمص دواخلها، صفف شعره مثلها، رافق تحولات جسدها وتغيراته، فرحها وذوبانها بأول قبلة حب طبعت على شفاهها، اكتشاف جسدها، صدرها الناهد، بطنها، أنوثتها، وكذلك مأساة ختانها، ورؤية دم فض بكارتها من قبل رجل لا تعرفه، ولكن قبل ذلك، كان الختان، وهجوم الغربان النسوية المتشحات بالسود عليها:
هناء: رموا عبايتاهن على الأرض، صارت الأرض سوداء (…) حاولت ان اهرب، مسكوني وكتفوا يدي ورجلي!! (…) في شيء يلمع ارتفع في الهواء.. شيء حاد، مقص.. أو يمكن سكين.. لا اتذكر.. شفرة كبيرة، لا، لا، ابتعدوا عني! عيوني غشاها الدمع، ونزلت الشفرة!!!


وهنا قام ضياء حجازي المخرج، بدحرجة كريات الطماطم الحمراء على الأرضية البيضاء، لكي يحيل المكان والحالة إلى عالم من دم وقسوة؛ لكي يحيله إلى صرخة يائسة وحشية، مصحوبة بإفرازات متحررة من هذا التدفق الصخري، الذي جعلنا نشهد صحوة بركان يبصق فيضان أحشاءه. واعتقد ان كل من تمكن من رؤية هذا الانحراف المرعب للروح سوف يدرك الأداء الاستثنائي الذي تمتع به ضياء حجازي، في هذه اللحظة، التي كان يروي ويؤدي ويشكل فيها، بداية سلسلة العذابات التي تعرض لها جسد (هناء) الطري، هناء التي كانت منذ لحظات قصيرة، تتطلع الى أنوثتها اليانعة، خلسة أمام مرآة غرفتها، بنوع من الزهو والفرح الذي تحول فجأة إلى كوابيس سوف تظل تطاردها طيلة حياتها. ولقد استعمل حجازي، الطماطم ودلالاتها في العديد من المواقف، فبالإضافة إلى مشهد الختام، كان هناك مشهد دخول الزوج عليها وهو يقول لها: (اشلحي، أشلحي)، أي اخلعي ملابسك لكي أقوم باغتصابك، فتقوم (هناء)، بخلع ملابسها بشكل إيحائي. في هذه الأثناء ينقلنا المخرج الى الشاشة الخلفية، لنرى على سطحها وجه طفلة بريئة، ثم يعود بنا، برمشة عين، إلى عملية تقشير الطماطم بواسطة سكين حادة، وتساقط أجزائها المقطوعة مثل قطرات من الدم، على أرضية الخشبة، المغطاة بشرشف ابيض، إشارة الى غشاء البكارة، وكيفية تعرضه للتمزق الوحشي. وهنا يتقدم الممثل/ هناء، أمام إناء كبير مليء بالماء، وضع منذ بداية العرض، في وسط مقدمة المسرح، لكي يدلق فيه اللون الأحمر، بواسطة إبرة حقن طبية. حيث نرى بعد ذلك، على الشاشة الخلفية (هناء) بكامل ملابسها تحت دوش من الدموع. ويتكرر استخدام الطماطم أيضا، في المشهد الذي تناولت هناء رأس زوجها، الذي أشار اليه المخرج من خلال حبة طماطم كبيرة، تقوم هناء بهرسها بقوة كفيها اللذين كانا يرتديان قفازا أبيضا. وهي تردد:(سال دم كثير، ملأ الشرشف (…) وصارت الغربان تشرب من دمه، ومن دمي أنا.. هناء.. التي ذبحتموها، أنا التي كانت هناء). ولكنها في حالة من ندم، تقول أيضا: ولكنني في الحقيقة لم اقدر على فعلها.. كان عليّ أن افعلها!!


كان اللون الأبيض حاضرا دائما، وكذلك اللون الأحمر، مثلما كان أداء حجازي يتأرجح ما بين أنا الكاتب واللعبة الأدبية التي اعتمدها في استخدامه لليوميات الحميمية لشخصية (هناء)، وهذا بحد ذاته، ما منحه إمكانية الرؤية العميقة للكثير من التفاصيل التي لا تخطر على البال. وهنا تكمن براعته في التخيل، إذ أراد من وراء مشاهد غاية في الحميمية أن يصل إلى حساسية لا يستطيع أن يعرفها، لأنه وبكل بساطة، رجل وليس امرأة، ولكن مع ذلك كان يتحدث عنها بنجاح فائق وكأنه يعرفها من قبل، أو مر بنفس تجربتها، وهذا ما يذكّرنا بفن الممثل وإمكانيته على ممارسة الكذب النبيل، إن صح التعبير، ودفاعه المستميت عن شخصية هي ليست بالضرورة شخصيته، بل إنها تختلف عنه حتى في المعاناة، الهيئة، العامل النفسي، والظروف الاجتماعية. ونستنتج من ذلك، أن الممثل في جميع الإخراجات المسرحية، ليس مجرد حقيقة أولية فحسب وإنما هو العنصر الأساسي الذي من غيره لا يمكن أن تكتمل الرؤية الإخراجية لا على الصعيد النظري ولا التطبيقي. ولقد شعرنا بأهمية هذا الإحساس، من المكانة والوظيفة التي أعطاها لنفسه كممثل في هذا العرض المسرحي، ومن مختلف التدخلات التي اقترحها على الشخصية، بصفته مؤلفا ومخرجا وممثلا، على حد سواء.


كان (ضياء حجازي)، يرتدي ملابس امرأة، تتشح بالسواد، يعتلي كتفيها شال أحمر، تجلس على أريكة، يحيطها البياض من كل الجهات، تتحرك ببطء، ويبدو عليها انها لم تتكلم مع احد منذ فترة طويلة. لهذا ربما نجدها متلعثمة، مترددة، حتى في تقديم نفسها لنا (أنا اسمي هناء، هناء إسمي، أنا هناء، نعم، أنا هناء)، ومقتضبة في كلماتها، في صمتها، في حركتها، التي كان كل شيء فيها محسوب بدقة وإتقان عال، حتى في طريقة تناولها للسندويشة التي كانت بحوزتها، أو حينما ترتشف القهوة التي تدلقها من الترمس الذي تخرجه من حقيبتها.


منذ الوهلة الأولى للعرض، نشاهد (هناء)، حبيسة هالة من الضوء، وفضاء ثلجي أبيض. وهذا تركيز إخراجي، مثير للإعجاب لحالة الفوضى والضائقة التي يمكن التنبؤ بها بالفعل، لفكر شارد وضال بسبب المعاناة الداخلية المروعة لشخصيتها. إنها تبدأ بسرد قصتها بصوت هادئ، بالكاد مسموع. ثم تتولى بعد ذلك بروايتها المؤلمة والفوضوية لهواجسها، خلجاتها، أوهامها وتناقضاتها، والاستحالة التي تجد نفسها فيها لتمييز الواقع من الخيال. بهذه الطريقة الرياضية المحسوبة، تتدفق الأحداث المكتئبة جدا، ولمدة ثلاثة أرباع الساعة، ويطغي عليها الحزن والمعاناة. بحيث لم يرافق (هناء) في محنتها، سوى عينيها الضائعةِ وقليل من حركات يديها المتوترة، وحبات من الطماطم، كنا نتابع الاضطراب البطيء والعنيد الذي يعاني منه دماغ هذه الشخيصة من خلال بناء أدبي مسرحي، وكأننا أمام حقيقة سريرية ذهنية خطيرة، لا تريد الكشف عن نفسها دفعة واحدة، ربما لأن ما مرّ عليها كان على مراحل، وربما أيضا كانت تخجل مما جرى لها أمام نفسها، وربما أيضا إنها لا تريد خدش أحاسيسنا بما مرت به من فظاعات.


كان الإخراج الصارم والدقيق يتماشى تماما مع إرادة الكتابة الدراماتورجية للعرض التي أرغمتنا على مشاهدة القوة اللازمة الكامنة فيه، والتي لا يمكن أن نقف أمامها بنوع من اللامبالاة، لأن أداء ضياء حجازي، الهادي، والمحير الجميل، كان يشبه إلى حد كبير قنبلة موقوتة تنتظر الانفجار. ويتتبع مسارا عقليا معذبا، يحاول من خلاله ألا يضغط على الزناد دفعة واحدة، لكيلا تتحول مسرحيته إلى أشلاء ميلودرامية مطروقة، ومألوفة.


في هذا العرض الذي دام 45 دقيقة، لم يتحرك حجازي كثيرا من مكانه، إلا بموجب الضرورة المسرحية. في اغلب الأحيان، كان جالسا وسط الخشبة؛ جالسا في هذا الفراغ من الأضواء الفاضحة، التي نظمت من قبل الفنان السينوغراف عبد المجيد الهواس، وبين الأصوات وموسيقى فيفالدي (الفصول الأربعة) والشريط السينمائي، والإكسسوارات البسيطة والغنية في ذات الوقت، التي حاولت أن ترسم لنا المسار النفسي والعقلي والإنساني لشخصية فتاة انتزعت من أنوثتها وتحولت بين ليلة وضحاها إلى امرأة مسنة، بعض الشيء بفعل تراكم الألم وكثرة المصائب، لهذ نجدها كما لو كانت في حالة غرق في برك باردة، آسنة، وهي تدعونا لرؤية الضوء اليائس لحياتها، وسطوع الألم، وانفجار الكرب، الذي سوف يقود إلى الظلام، والثورة في نهاية العمل، خاصة عندما تقوم بتقويض العرض، وتجرجر جميع مفرداته من اكسسوارات في ملاية بيضاء كانت بمثابة أرضية للأحداث، امتلأت بالدم وبآثار حياتها التي افترشت الأرض. كما لو كان هناك خطأ كوني قد حدث فجأة، يرمز في حد ذاته، إلى الصوت الجميل للعقل البشري، ويجعل حب الإنسان الموجود هنا، بهذا العرض، في حالة خوف ورعب، وغير قادر على استبدال ولادة بداية الإجابة على السؤال الحقيقي الوحيد ” لماذا”؛ لا يمكن أن يستبدل لماذا ستظل (هناء) مفهرسة في دورها مثل ظل خادع؟ وهكذا يستمر صوت حجازي، يفصل الأصوات ويفككها، ويبدد التنافر، ويجعل صدى الإيقاعية الداخلية محسوسا. ملخصا ذلك، في شكل حلم، وعنوان، ثم منولوج داخلي. ومن صمت لآخر، ومن كلام مقتضب لآخر، كانت هناك نظرة تبدو عنيدة وثابتة في قلب ما لا يوصف، ويدين ناعمتين تتفحص الهاوية التي نحن مقبلين عليها، تجعلنا نشعر بثقل الثلج الأسود، وكذلك بنعمة الابتسامة التي تسللت من بقايا الماضي مثل ذكريات هاربة. سيما ان الكلمات لم تعد كافية لتعزيتها، ولم تعد تزعم انها قادرة على ترويض اليأس، ومع ذلك ما زالت هناك الحاجة، الحاجة إلى التعبير عن النفس، عندما يختفي الوهم والمسرحة، ويتمزق الجسد من جراء هجوم الغربان السوداء عليها مع الادعاءات الكاذبة، التي ألغت اتساق العلاقات الاجتماعية، لا سيما أنها تعرف أن الحاجة إلى من يحبها معروفة مسبقا وغير قابلة للتطبيق، وإن الغباء وعدم كفاءة الذين من حولها يحظر كل اتصال، ولا يمكن له أن يوقف المأساة، فكل شبر من هذه الأرض ملغوم. بما فيه الحب؟ وكذلك الآباء المذنبون أيضا، بعد الله، بخلقهم عالما لا تستطيع ان تعيش فيه (هناء)، ولا تريد العيش فيه بعد الآن. لهذا نراها تقوض كل شيء، بما في ذلك، قصة حياتها والمسرح وما فيه. ففي هذا العالم الذي يتفرد فيه الحزن والقهر بامتياز، حيث لا يوجد فيه لا ملاذ أو مأوى، ربما يظل الشعر شاهدا.


إن الجمل التي كان يؤديها ضياء حجازي في بعض الحالات، بدت وكأنها قد انتخبت من البناء المثالي للنص الذي كتبه هو نفسه: (في شيء براسي، في شي عم يختفي من رأسي، عم يأكل دماغي. الغربان عم تصرخ برأسي …)، إنه يقولها بطريقة ولدت لدينا انطباعا غريبا، بانه قد التقى بهناء من قبل. نعم، إنه يعرفها، ويعرف كل شيء عن هذه العبارات المنفصلة الخطيرة مثل مناجم من التشرذم وهذه الكتابة الطرية التي اتخذت من اللهجة السورية سلاحا للدفاع عن نفسها. لقد أصبحت الكلمة هنا أكثر من أي وقت مضى بمثابة إحساس، تمكن من خلاله اجتياز اللعب وعبوره من أجل التعبير عن حالة فقدان الوعي الاجتماعي العام.


من خلال هذا التوتر بين المعاناة الخام، والفاحشة في إخلاصها، والعطش لنعمة مراوغة، ومهدئة بالتعبير، كشف المخرج عن مظاهر لعبته الإخراجية. وقام بخدمتها من خلال المشاركة الكاملة لضياء حجازي نفسه، الشفاف، النحيف، والرشيق في ملابسه النسوية السوداء المطعمة باللون الأحمر، وجسده الذي استثمره بكثافة غير متوقعة، من خلال الدقة المحسوبة في تصويب الحوار، والتأرجح بين التفكيك والسمو، والزحف والتحليق، بمعاناة (هناء) التي تمردت بشكل مطلق على جميع أشكال المتع، وملاحقته لجسدها وتلاعباته، وتصميمه.


لم يكن في هذا العرض الحزين عويل، ولا صراخ، ولا دموع أو بكاء على الأطلال، وإنما نزيف داخلي وبوح مثقف، لم يجعلنا نتعاطف معه فحسب وإنما نتسامى وإياه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي