الأثنين. يناير 27th, 2020

الدكتورة انديرا راضي تكتب عن فاتسلاف هافيل

فاتسلاف هافيل .. من خشبة المسرح لكرسي الرئاسة


“بالكلمات والأفعال قاد الناس نحو الحرية”


بهذه الكلمات ودعه الملحن التشيكي الشهير ” انتوتين نوفورجاك” حينما صاحبت موسيقاه قداس مراسم الدفن. ووصفه المسرحي الأميركي “أرثر ميللر”: ب”أنه أول رئيس سوريالي في العالم، فقد كان أيقونة تشيكوسلوفاكيا قبل أن يصبح رئيس دولة”. وقال عنه الأديب “ميلان كونديرا”: “لقد أصبح شاهد عصره بما كتبه من مسرحيات مليئة بالعبر والمثل التي تنادي بالعودة للأخلاق دون أن ينسى أن هناك سخرية من القدر. وأنه لابد من السخرية لكشف المواقع والمواقف الشيطانية المخيفة. مواقف سياسيين وأفراد مارسوا الإرهاب في مواجهة الحقيقة.”


في الذكرى السنوية الثامنة لسفره الأبدي ورحيله السرمدي. الفنان الشاعر المسرحي الفيلسوف الأديب الثائر الرئيس التشيكوسلوفاكي، ومن بعد الرئيس التشيكي “فاتسلاف هافيل” الذي غادر دنيانا في 18 ديسمبر2011 عن عمر يناهز75 عاما، حافلة بالثقافة والفن والثورة والسياسة.


درست أعماله المسرحية ذات الفكر الفلسفي القريب من عبثية “بيكيت” وجنون “آرابال” وشعوذة “جينيه” مذ كنت طالبة في قسم الفنون المسرحية بجامعة الإسكندرية. وفرحة غامرة التهمتنا أنا وزملائي حينما تلقينا خبر صعوده إلى كرسي الرئاسة في1989، وكأننا بعضا من أهله ورفاقه. واستحضرته عندما كثر الحديث عن دور الثقافة الغائب في الثورات العربية. “هافيل” لم يكن ذلك الصوت الذي يلهب حماسة الجماهير، لكنه كان العقل الراجح والمرسى الآمن لها. مثقف يتنفس اتزانا وحكمة، يحفظ للمجتمع أخلاقه وللوطن مبادئه في إصرار هادئ، يبث في الانسان الأمل ويدفعه للعمل بروح وثابة محبة.


“هافيل” مسرحي ثائر سار على درب المسرحيين العظام، أمثال “صمويل بيكيت” و”يوجين يونسكو” و”جيرزي جروتوفسكي” و”بوب ويلسون” و”بيتر بروك” وغيرهم، عاش حرا يفكر خارج الإطار الحديدي الذي وضعته الشيوعية. كان يشعر ويعاني ويتحدث وينقد الحالة غير المستقرة لكافة الأنظمة الديكتاتورية. برز كرمز للمقاومة ضد الاستبداد. مقاتلا من أجل الحرية، ليس بالسلاح أو بإرهاب الآخر. إنه نضال من نوع مختلف ونفيس، نضال الصبر، نضال السلام، نضال سمو الأخلاق وتسامي الإنسانية ورفعة حقوقها.


كتب حوالي 20 مسرحية و15 أثرا أدبيا وعددا من الكتب التي ترجمت إلى لغات عالمية ليحتل المكانة الرابعة وفق ترتيب مجلة prospect magazine لأفضل مائة مفكر في العالم. وحتى وفاته كان يتولى رئاسة مجلس إدارة منظمة حقوق الانسان ومقرها نيويورك. وهو يعد مؤسس منظمة vize97 والمؤسس الرئيس لمؤتمر العالمي السنوي forum2000.


أثبت “هافيل” أن أقوى الجيوش تكون “عاجزة عندما تواجه قوة غير مدربة على قتالها.” ويقول: “تقتات الديكتاتوريات على الارهاب والتحييد… وتختار ضحاياها في الشبكة العنكبوتية المليئة بالفساد والتي تنسجها هي بنفسها في المجتمع. وينبغي على أولئك الذين يقاتلون من أجل الحرية أن يعملوا على حماية كرامتهم من خلال قوة الضعفاء…” لم يكن “هافيل” يؤمن بالحياد غير الأخلاقي المعلرف، وتكشف كتاباته في وقت لاحق عن وجود صراع طويل مع فكرة دخول الساحة السياسية كزعيم وليس كمعارض. نراه يتساءل عن إمكانية تحول أي مفكر مثقف إلى سياسي دون أن يصبح كاذبا من الطراز الرفيع، والأهم من ذلك سعيه للحصول على جواب لما إذا كان يمكن للمرء أن يعمل بالسياسة دون أن يتنازل عن الأخلاق؟ وكان جوابه: نعم. نعم “هافيل” لم يكذب يوما، لم ينافق جمهوره يوما، لم يخدع شعبه يوما. كان يؤمن أن التغيير يحتاج للصبر وأن المجتمعات البشرية تغير باستمرار الكيانات الطفيلية بمرور الوقت من وضع معين إلى العكس تماما. يمكن للمرء أن ينظر إليه على أنه الصورة المثالية لهذا المفهوم حيث رأينا ـ ومازلنا نرى وسنرى ـ كيف تتم الإطاحة بمجموعة من الأنظمة الاستبدادية في البلدان التي كان فيها المتهورون واليائسون فقط من ينضمون للمعارضة، التي أطلق عليها “هافيل” (قوة الضعفاء). إن نظرية “هافيل” التي وصلت لنهايتها المنطقية تظهر أن الشيء الوحيد الذي يمكن لأي زعيم سياسي السيطرة عليه هو: الوقت المناسب لانسحابه من الساحة. فالقادة تصل للسلطة نتيجة عوامل خارجة عن إرادتهم وخير مثال على ذلك هو ما حدث مع “هافيل” نفسه.


لا نستطيع أن نفصل ذاته الثائرة المناضلة عن ذاته المحبة الولهة، فحينما حكم عليه بالسجن 5 سنوات عام 1979 بسبب الأنشطة التي قام بها في “لجنة المحاكمين ظلما” وهي اللجنة المنبثقة عن (ميثاق77) التي راقبت ورصدت انتهاكات حقوق الانسان والاضطهاد في يوغسلافيا الاشتراكية، تحولت مقالاته الفلسفية التي كتبها إلى زوجته تحت عنوان (رسائل إلى أولجا) إلى قطعة كلاسيكية من الأدب المناهض للاستبداد والظلم. وعندما أصبح رئيسا كان يكتب خطبه بنفسه مثلما كتب أعماله المسرحية ومقالاته الأدبية.


حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية. رشحته منظمة العفو الدولية ليكون سفيرها الأول في 2003. حاز على جائزة “غاندي” الرفيعة للسلام لمساهماته حيال السلام العالمي من خلال انتهاجه لسياسة وأساليب “المهاتما غاندي”.


من أقواله: ” عندما تكون السياسة مطعمة بالأدب والفن ومرصعة بالثقافة يصبح الوضع مختلفا جدا فالغوص في خضم المسارح لقاح ضد التشبث بالكرسي ومناعة من الطغيان والاستبداد وصولا إلى عالم يمكن أن يكون للشعراء فيه صوت مسموع مثل أصحاب البنوك”.


وقف هافيل يسائل نفسه بعد حوالي 13 عاما من الرئاسة: هل غيرته التجارب الهائلة التي عاشها، في مقاله “وداعا للسياسة” الذي يقول فيه: “قد لا تصدقون ذلك ولكن كل يوم يمر كنت أعاني من رهبة الجماهير، كل يوم أصبح أكثر تخوفا ألا أكون أهلا لعملي أو أنني سوف أشوه صورة الرئاسة، كل يوم تصبح خطبي أكثر صعوبة عندما أكتبها أكون خائفا جدا من تكرار نفسي. كنت خائفا من الإخفاق الذريع في تحقيق التوقعات، ومن أن أكشف عدم جدارتي للرئاسة من خلال ارتكابي للأخطاء وبالتالي أفقد الحق في ممارستي للرئاسة”. هكذا كانت المكاشفة والشفافية والصدق ونقد الذات في اختيار توديع السياسة والحكم ليعود للفن والثقافة بلا منازع ولا شريك. ونحن الآن كشعوب عربية في أمس الحاجة إلى أرواحا رائدة مثله تترنم بالحرية وتؤمن بها وتصدق في طرحها والعمل بها لصالح الانسان والوطن. كان “هافيل” رجلا مثقفا رفيق الجانب تحكمه مبادئه، لم يكافح الشيوعية بسبب أجندة خفية من نوع ما، بل لأنها في نظره ببساطة كانت نظاما غير لائق وغير أخلاقي بالمرة. سلاما عليك أيها المسرحي الثائر والشاعر الرئيس حيث تكون والسلام على من في الأرض بعدك. ضياء سكبت حولك في كل ذكرى، ضياء قد نثرت في ظلمة من ينتهجون دربك، ضياء تروي أفئدة من ناديتهم بثورة الضعفاء. ولتملأ كلماتك العالم فنا وأخلاقا وثورة.

د.أنديرا راضي ..

أستاذ الفنون الدرامية بالجامعة التونسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي