الأثنين. يناير 27th, 2020

د. محمد سيف يكتب .. الإخلاص كوعد مبهم في مسرحية «الخيانة» لهارولد بينتر

محمد سيف / باريس

ليس من باب الصدفة ان يختار هارولد بينتر، شخصيات مسرحيته هذه من الوسط الأدبي والفني الذي يعرفه؛ وليس من باب الصدفة أيضا أن يختار شكلا مسرحيا قديما وهو الفودفيل، لكي يقدم ثلاث شخصيات: امرأة وزوجها، وعشيقها، والزوج والعشيق أصدقاء جدا، محتفظا فقط بما هو ضروري: الزنا النقي كمصدر، لا ينضب من الخيانات الرومانسية وكذلك الودية. ولكن أين الخائن منهما؟

تجري الحبكة المسرحية بشكل عكسي، أي أنها تبدأ من نهاية قصة الحب، لتعود إلى البدايات، من خلال سلسلة من الصور المضحكة والقاسية. إن هذه العودة بالزمن إلى الوراء تأخذ في هذه المسرحية، شكل التحقيق البوليسي تقريبا، الذي يعيد من خلاله (بينتر) وبلا هوادة، مسار ثلاث شخصيات متشابكة في أكاذيبها. وبالعودة إلى الوراء بالزمن أيضا، يمكننا أن نأمل أن يتم تصحيح الإحساس المعيب للمشاهد الأولى من خلال استعادة خطواته. لكن اللغز العاطفي هو تطور شيطاني، بحيث أن كل صورة يعاد أنشاؤها تنتج قطعا مفقودة جديدة. وفي بعض الأحيان تأخذ خطوط الخيانة طرقًا غير متوقعة. وإن ما يعذب جيري، الحبيب السابق، ليس الحنين إلى الحب الذي زالّ أو هرب منه، وإنما علمه بأن صديقه روبرت، زوج حبيبته، كان يعرف منذ فترة طويلة بالعلاقة الغرامية التي حاول أن يخفيها بكل دقة.

في مسرحية «خيانة»، يتتبع (هارولد بينتر)، سبع سنوات من حياة ثلاثي الحب، تحت شكل تسلسل زمني عكسي: جيري، وكيل أدبي، وإيما، مديرة غاليري فني، يجدان بعضهما في حانة بعد عامين من انتهاء علاقاتهما. إيما، على وشك الانفصال عن زوجها روبرت، الذي يعمل ناشرا، وهو من أصدقاء عشيقها المفضلين. من نقطة الانطلاق هذه يكشف بينتر عن خطوط اضطراب الخيانة الودية والحب، ويقدم لنا تشريحا لمشاعر شائكة وغير معلنة: أقنعة، أوهاما، كلمات، ولغة جسد مزدوجة. هذه هي الثغرات التي تختفي في أعماقها حقيقة العلاقات الإنسانية التي يدعونا بينتر لاكتشافها ليس كينابيع للكذب وإنما كفجوات في النفس البشرية، من خلال كتابة مفاجئة مباشرة ومقتضبة تمجد الحب وتمتع كائناته التي لا تنفك من التعثر والتخبط في أهوائه.

لقد أرادت المخرجة (كارول بروزفسكي)، أن تكون خشبة المسرح مرآة لهذه الكتابة، ولهذه الازدواجية التي تحدث ما بين هذا الذي نريد قوله من كلمات وهذا الذي يريد أن يخفيه أو يتستر عليه الجسد من عيوب وعقبات تقطن فيه. إن الظلال والحركات في هذا العرض، أصبحت بمثابة ملعب للعب الأجساد، لأجل ترك الحاجة الحميمية تتنفس، ضمنيا داخل كل شخصية من الشخصيات. وقد طغى على ديكور العرض اللون الأسود والأبيض المضاء بإنارة حمراء كالدم، تجتازه لوحات شبه شفافة، بحيث كاد إخراج (كارول بروزفسكي)، أن يكون محايدا تاما، لولا التدخل والتداخل المستمر للوسائط الهجينة بين مشاهد المسرحية التسعة، التي نرى من خلالها الممثلين يرقصون، مرة بمفردهم، وأخرى كل اثنين مع بعض، كما لو أنهم كانوا مأخوذين بمحاكاة تشنجات الاضطراب الداخلي الذي يتناقض مع أناقة ملابسهم. وقد كشف هذا التناقض المثير للقلق عن العالم البرجوازي الذي لازال قائما على حد حبل متوتر.

اعتمد بناء وتطور عمل (هارولد بينتر)، على ثنائية الصورة التي تحدث دائما بين اثنين: بين لندن والبندقية، بين شعر يتس الرقيق وعنف لعبة الأسكواش، بين الفن والتجارة، بين البوح والكتمان، بين الرصانة والثمالة، بين الشباب والنضج، وبين الحب والخيانة أو بين الزوج (أو الزوجة) والعشيق (أو العشيقة). من خلال كل هذا الذي يحدث يمكننا نحن كمتفرجين التحقق من مرارة الفراغ الرهيب والشعور بالوحدة لهذه الشخصيات الثلاث. ومثلما تقول مخرجة العمل، إن هذا ما يلخص مسألة حاجة الواحد للآخر التي تتأسس عليها دراماتورجيا هذا العمل بطاقة هائلة وكبيرة. الحاجة إلى الآخر للشعور بالحياة نفسها، الحاجة إلى الآخر للتطور أو لإعطاء الوهم، الحاجة إلى الآخر للاطمئنان أو تعريض النفس للخطر.

إن ما أثار انتباهنا بشكل خاص في هذه القصة الثلاثية الحب، الإخراج الحديث جدا، واستخدامه لسينوغرافيا مهمة من حيث الديناميكية والناجحة على المستوى الجمالي. لقد استخدمت المخرجة، المكعبات الضوئية الكبيرة التي جعلتها تتحرك وتغير أماكنها وشكلها وفقا للحاجة المسرحية، من قبل الممثلين الذين راحوا يغيرونها بين مشهد وآخر، بحركات كورغرافية ترافقها الموسيقى. وهذا بحد ذاته ما أعطى طاقة خاصة للعرض وسمح بإعادة تنظيم الفضاء المسرحي، واستدعى الخيال، لكي تصبح هذه المكعبات، مرة طاولة، وأخرى، كراسي، أو أريكة، أو سريرا، مشكلة في تغيراتها المستمرة، ديكورا واقعيا مرة وأخرى سحريا في آن. ثم ان السينوغرافيا المضاءة سمحت أيضا بتعزيز هذا الديكور الأنيق الذي صار يحيلنا إلى أجواء مختلفة مثل، حانة، غرفة نوم، صالون أو مطعم وإلى آخره، بالإضافة إلى أن فكرة وضع لوحة زجاجية كبيرة شبه شفافة في خلف المسرح، يعبر خلفها الممثلين عن مشاعرهم تكريما للغة الجسد، من خلال رقصات يؤدونها قبل كل مشهد من المشاهد، أولا، للتحرر من مشاعرهم وحصار شخصياتهم لهم، وثانيا، للتعبير عن هذا الذي لا يعلنون عنه، من خلال رسم طريق للغة الجسد المزدوجة وللكلمات. وهكذا تقوم الأجساد بالتعريف بنفسها، أو بالأحرى التنكر لها، في الوقت ذاته. إن حركات جسد إيما، وجيري وروبرت، كانت تقدم لنا وفقا لإيقاعاتهم المختلفة ما هو أكثر من الكلمات. كانوا يقدمون الخطوط المضطربة للخيانة التي تقطن في سجونهم الذاتية بشكل مباشر وعلى سطح الشاشة الشفافة. ثم لا محالة، أن الشخصيات كانت تقوم بتفكيك ثنائية الكلمات، وأخطاء تاريخهم المختبئ في أعماقهم. وما عملية بناء وتفكيك فضاء المسرح بواسطة المكعبات الضوئية المتحركة، إلا لكي تكشف من خلاله عن آليات أفعالهم الحميمية. كما لو كانت هذه المكعبات صورة مصغرة لترتيب أنفسهم. وهكذا تتكرر أنماط الخيانة إلى ما لانهاية، وتلعب مع مثلث الحب من كل الزوايا، لدرجة محاصرتهم الواحد تلو الآخر. والمدهش في الأمر أن الممثلين كانوا يرقصون على إيقاع موسيقى يصبح شيئا فشيئا إيقاعا منوما. ثم أليس كذلك، أن الإخلاص هو وعد مبهم؟ إن الخيانة بحد ذاتها، هي شكل من أشكال الوفاء لشخص آخر، ولكن لأي آخر هذا؟ كل شيء يبدو نسبيا في مسرحية الخيانة.

الجميع يخدع الجميع، وسرعان ما نلاحظ أن الجميع يعلم بهذه الحقيقة: إيما، تخون زوجها روبرت مع أفضل أصدقائه، العشيق جيري متزوج وأب عائلة، وروبرت يخون إيما مع عشيقات أخريات، والمرأة الوحيدة التي تبدو مخلصة هي جوديت زوجة جيري، ولكن مع ذلك لا يظهر ذلك على المسرح. ولهذا نتساءل بدورنا حول صدق مشاعر مثلث الحب هذا، ولا نستغرب من تصريح روبرت لزوجته إيما عندما يقول لها بأنه كان دائما يحب صديقه جيري أكثر منها. ثم هل أن هذه الكائنات المغرورة قادرة حقا، في نهاية المطاف على أن تحب؟ كل شيء جائز. وقد وجد اللاعبين الثلاث، سواء من حيث المغنطيسية أو الصرامة، تضاريس من التواطؤ، في هذه الخيانات. لم يكن هناك فائض في لعبهم، وهذا ما اتضح ضمنيًا، كانوا يمرون بالألم، والقلق، والحنين والسخرية وينقلوه لنا بكل استرخاء وسيطرة، وكأنهم هم الشخصيات الأصلية لقصص الحب المنهارة هذه. 

بلا شك أن النص في هذا العرض كان واضحا ومخدوما بشكل جيد، سواء من قبل المخرجة أو الممثلين ذوي الخبرة العالية، على الرغم من غموضه ولا مرئيته التي منحته نوعا من القداسة، لكن حضور الأجساد فيه لعب دورا مهما بالعرض لدرجة خيل إلينا أننا أمام عرض كوريغرافي مدهش، وليس مسرحيا فحسب. ولقد كانت الموسيقى أصلية ويمكن إدراكها بدءا من (الفيس بريسلي) إلى (ستيف رايخ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي