الثلاثاء. فبراير 18th, 2020

ننشر البيان الفكري والمسرحي لمسرح “الرحالة “

البدايات :

بدأت فرقة مسرح الرحالة عملها عام 1991 وكانت تحمل اسم “مختبر الرحالة المسرحي” أو ” لمختبر المسرحي العربي .. الرحالة” كنوع من الامتداد لتجربة الدكتور عبد الرحمن عرنوس مؤسس “مخبر اليرموك المسرحي” في جامعة اليرموك في الأردن، والذي تتلمذ فيه معظم مؤسسي “الرحالة”، التي تغير اسمها في إحدى مراحل عملها إلى “فرقة المسرح الحي”  لظروف خارجة عن إرادتها، إلى أن استقرت أخيراً على اسم “فرقة مسرح الرحالة” .

وكنوع من محاولة التأصيل للمسرح العربي والبحث عن هوية له، والسعي وراء الجديد  والمبتكر، بدأت فرقة “الرحالة” عملها متأثرةً بالظواهر المسرحية العربية التي تؤرخ لبدايات المسرح العربي ما قبل مسرحية “البخيل” ل “مارون نقاش”، حيث الحكواتي والأراجوز  والمقهى وصندوق العجب والعروض الجوالة،  متمردة على صالات العرض التقليدية،  فقدمت عروضها المسرحية في الشوارع والمقاهي والساحات العامة، بحثاً منها عن مسرح عربي حي ومؤثر في الجماهير وأكثر قدرة على التفاعل والتغيير . ومن هنا جائت تسمية  الفرقة بهذا الاسم “الرحالة”، تأكيداً منها على أن المسرح رحلة بحث وإثارة تمثل صراع  الإنسان مع حقيقته ومحاولته المستمرة لكشف القناع عن وجه الحياة، وهو أيضاً اكتشاف  وغزو للمجهول داخل سراديب ودهاليز النفس البشرية، ورحلة إبحار وغوص في محيطات الوجود البشري  الغامض، بحثاً عن الكنوز الدفينة، وأملاً في اكتشاف قارات وجزر جديدة  من الدهشة والجمال، فخشبة مسرحنا سفينة تقتحم أعتى الأمواج لترسو فوق شواطئ المعرفة  والحقيقة والإدراك .

وقد سبق تأسيس فرقة مسرح الرحالة رحلة بحث ومغامرة واكتشاف قام بها المخرج “حكيم حرب” لوحده عام 1988 من الأردن إلى مصر للحاق بمعلمه الفنان المصري الدكتور “عبد الرحمن عرنوس” مؤسس مختبر اليرموك المسرحي في جامعة اليرموك في الأردن في  الفترة (1983-1987) حيث تتلمذ “حكيم” على يديه، بعد أن كان شغوفاً بدراسة البحرية في اليونان، ذلك الشغف الذي ترجمه بدراسة المسرح عندما التقي بالدكتور “عرنوس” وقال له بلهجته المصرية المحببة “عايز تبقى بحار اطلع على خشبة المسرح وانت تكتشف البحر الحقيقي”، ومن يومها وجد “حكيم” ضالته المنشودة واكتشف بحره الأرحب والأعمق، فأصبح  المسرح بالنسبة له رحلة إبحار لاكتشاف الآلىء المدهشة وللوصول إلى جزر المعرفة  وقارات الجمال، وعندما غادر الدكتور “عرنوس” الأردن عائداً إلى بلده مصر، ركب “حكيم” البحر من ميناء العقبة الأردني باتجاه ميناء “نويبع” المصري وصولاً إلى القاهرة، وفي الطريق قدم فوق السفينة التي أقلته عرضاً لمونودرما “كاليجولا” من تأليف الفرنسي “البير  كامو”، التي طاف بها في عدة مدن مصرية بدعوة من جمعية هواة المسرح . (1) (2) (3) (4) (5) وعند عودته من مصر شرع بإقامة ورشة مسرحية لعدد كبير من الشباب المتحمسين للمسرح آن ذاك، بهدف استقطاب جيل جديد من عشاق المسرح واستثمار طاقاتهم الإبداعية والعمل على تخليصهم من شوائب الأداء التقليدية ومن ترسباته الحركية والصوتية للوصول إلى ما يطلق عليه “جروتوفسكي” بالممثل المقدس والعاشق والنبيل (6) (7) وكان من ثمار هذه الورشة تأسيس فرقة مسرح الرحالة، التي حملت آن ذاك اسم “مختبر الرحالة المسرحي”.

مسرحية أغراب

في عام 1991 كانت باكورة أعمالنا مسرحية “أغراب” المعدة عن نص “فصيلة على طريق الموت” للكاتب الإسباني “الفونسو ساستري”، ( إعداد وإخراج حكيم حرب، وتمثيل : عماد يونس، توفيق جرادات، هناء العامري، أمجد العبادي وحكيم حرب) فكان العرض بمثابة محاولة لتطويع النص الأجنبي للتعبير عن القضايا العربية، ونقله من بيئته الإسبانية إلى  الصحراء العربية، حيث المكان الذي تخيلنا أن الأحداث تجري فيه بناء على الإعداد الجديد للنص، كما وحاولنا من خلال هذه التجربة البحث عن مسرح حي قادر على تقديم ابتكارات في طبيعة الحركة المسرحية، واستثمار لطاقة الممثل الجسدية والصوتية والروحية لتعويض النقص في الديكور والأزياء وباقي ملحقات السينوغرافية، استناداً لنظرية “جروتوفسكي” في  المسرح الفقير بإمكانياته والغني بطاقة ممثليه الإبداعية، ونظرية “البيوميكانيك” لدى “فسفولد ميير خولد” وعلى قاعدة أن المشاعر الإنسانية من الممكن التعبير عنها بالحركات أكثر من  الكلمات (7) .

 فقدم الرحالة عدد من اللوحات التعبيرية خلال العرض، والتي أوصلت المتلقي إلى شفافية  الإحساس المرهف للممثلين، كما وصفها “مصطفى سلامة” في مقاله النقدي في صحيفة الدستور الأردنية (8)، والناقد المسرحي “جمال عياد” في مقاله في صحيفة الرأي الأردنية  “على هامش عروض مسرحية أغراب في المسرح الملكي” حيث قال “إن هؤلاء الأغراب الذين تشكل منهم هذا العالم “المصغر” فوق خشبة المسرحهم هم أنفسهم الذين يعيشون حقيقة بيننا على هامش الحياة في المجتمع (الفاضل) كمنبوذين وتائهين، وهذا ما أكده أداؤهم على  المسرح من خلال تعريف (الفصيلة) على نفسها على أنها أشياء منبوذة غريبة تسير في  طريق بلا نهاية كفارس حارب ألف عام ولم ينتصر، “إننا نباتات لزجة تتحرك ولا تنتقل، بل مجموعة من فيروسية داخل قطرة ماء تهوي في الفراغ”، أستطيع أن أقول أن هؤلاء الشباب المسرحيون من طلاب وخريجي جامعة اليرموك والجامعة الأردنية حديثي العهد، هذه الدماء الجديدة المبشرة بالخير، استطاعوا أن ينقلو إلينا تحذيرات وقلق كاتب هذه المسرحية لنا وللعالم كنص، فهذ الخوف الذي استشعرنا به وأدركناه من مجمل هذا العمل أثار فينا القلق والهلع على مستقبل البشر كمجتمع إنساني، هذا المجتمع الذي أخذت تتفشى فيه قيم الخراب وإزاء هذه البدايات التي تجشم فريق المسرحية عناءها والتي انبثق منها هذا العمل الفني، فقد رأينا دفقات فنية متلاحقة كاللوحات التعبيرية والتشكيلية الحركية، سواء لوحة مقتل الرئيس أو الصورة التي أوضحت دوامة الخوف ” (9) .

مسرح الشارع

 لاحظ “الرحالة” وجود فجوة بين المسرح والجمهور، حيث كان الجمهور يخشى دخول  المسارح الضخمة والمسورة ولم تتشكل في المجتمع الأردني عادة ارتياد المسارح، فقرر  “الرحالة” أن يخرجوا بمسرحهم إلى الشارع وأن يذهبوا هم إلى الجمهور بدلاً من ان ينتظروا مجيء الجمهور لديهم، فتابعوا تقديم عروضهم المسرحية في الهواء الطلق وبين الناس في الساحة الهاشمية وفي حدائق الملك عبد الله والحرم الخارجي المفتوح للجامعات وعلى شاطئ البحر وفوق المراكب في مدينة العقبة الأردنية، تحت شعار “نحن نرفض المسرح المميت” تمشياً مع أسلوب المسرح الحي للمخرج العالمي المعروف “جوليان بيك” كما تشير صحيفة الدستور الأردنية بتاريخ 22/4/1991 .

مسرح المقهى

كان الرحالة من أوائل الفرق المسرحية الأردنية التي خاضت تجربة “مسرح المقهى” حيث قدمت عروضها في مقهى ” الفينيق” الثقافي، ومقهى “قرية كان زمان، وعدد من المقاهي  في وسط البلد في العاصمة عمان، مستندين إلى قصص الكاتب الفلسطيني “غسان كنفاني” حيث شارك في هذه التجربة كل من “كفاح سلامة، جمال مرعي، محمد السوالقة، محمود صايمة مهند الصفدي، عامر الخفش، فادي الغول وحكيم حرب”  . واستندت التجربة إلى المسرح التفاعلي، والتي تحول فيها الجمهور من متلقي للحدث إلى مشارك في صناعة الحدث، حيث اعتمدت التجربة على الارتجال الحي والمباشر مع الجمهور، فكان الرحالة يطرحون الفكرة أو الحكاية ثم يعمدون إلى تطويرها من خلال تفاعل الجمهور معها، وكثيراً ما كان بعض الجمهور يشارك في التمثيل، وأحياناً كان ينقسم جمهور المقهى إلى قسمين، قسم يؤيد الممثل الأول وقسم آخر يؤيد الممثل الثاني، أو أن يحتج جمهور المقهى على النهاية فيصنع نهاية مختلفة، أو أن يبادر الجمهور بطرح فكرة أو موضوع ما، ثم يعمد الرحالة إلى تحويل ذلك إلى عرض مسرحي  (10) (11) .

الانفتاح على التجارب المحلية والعربية

بهدف الانفتاح على التجربة المسرحية المحلية والعربية والتعاون مع الفرق المسرحية المحلية والعربية ومع المخرجين الأردنيين والعرب، تعاون “الرحالة” مع عدد من الفرق المسرحية والمخرجين الأردنيين والعرب من خلال المشاركة في أعمال مسرحية مثل :  “عرس الأعراس” للمخرج الأردني خالد الطريفي والمعدة عن نص “عرس الدم” للكاتب الإسباني “فدريكو غارسيا لوركا” (12) (13) ومسرحية الكنز والبحر من تأليف وإخراج المخرج العراقي الدكتور “جواد الأسدي” (14) ومسرحية “المساء الأخير” من إعداد وإخراج المخرج العراقي الدكتور “عوني كرومي” والتي عرضت في مهرجان أيام قرطاج المسرحية عام 1991 (15) ومسرحية “عاش جلجامش عاش” لفرقة مسرح الفوانيس ومن تأليف وإخراج المخرج الأردني “نادر عمران”  ومسرحية “سندريلا” لفرقة المسرح الشعبي ومن  إعداد وإخراج المخرج الفلسطيني “فتحي عبد الرحمن” (16) (17) .

المتمردة والأراجوز

 في عام 1992 كان عملنا على مسرحية  “المتمردة والأراجوز” ” إعداد وإخراج حكيم حرب، وتمثيل: كفاح سلامة، عماد يونس، محمد السوالقة وحكيم حرب، وإضاءة رائد عصفور، وأزياء وديكور إخلاص العيسى، ومكياج عامر الخش، وموسيقى فاتح الخطيب” والتي استدعت روح أسطورة “أنتيجوني” كما وردت في نصوص “يوربيدس” و “جان آنوي”، فقدمها الرحالة في افتتاح مهرجان مسرح الشباب الأردني الأول عام 1992 برؤية عربية معاصرة (18) حيث تم المزج بين الأسطورة الإغريقية والحكاية الشعبية العربية فقدم العمل على طريقة الفرق الجوالة التي تستعين ببعض الظواهر المسرحية العربية مثل : الحكواتي والأراجوز وخيال الظل (19) . ونظراً لحصول العمل على عدة جوائز في المهرجان(20)  تم ترشيحه للمشاركة في الدورة الرابعة لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 1992 (21) حيث حصلت الفنانة “كفاح سلامة” على جائزة التمثيل النسائي مناصفة مع الممثلة البولندية “باربارا دزيكان”(22)، ثم تابع الرحالة تقديم المسرحية في عدد من المحافظات المصرية من بينها “مرسى مطروح”، وعدد من المحافظات الأردنية، وفي إطار مسرح الشارع ومسرح المقهى، كون المسرحية قد تم إخراجها لتعرض على طريقة  الفرق العربية الجوالة، حيث كانت محاولة من الرحالة لتطويع الأسطورة الإغريقية لتلائم البيئة العربية، ومحاولة التأصيل للمسرح العربي عن طريق المزج بينها وبين الحكايا الشعبية “زيدان شاعر الصحراء”، وتوظيف الظواهر المسرحية العربية في داخلها، وتقديمها ضمن إطار الفرجة الاحتفالية، حيث انشغل الرحالة آن ذاك، مثلما انشغل الكثير من المسرحيين العرب وقتها، بهاجس التأصيل والبحث عن هوية للمسرح العربي (23) (24 ب) .

مسرح الصورة

وبعد سلسلة من العروض المسرحية التي قدمناها في إطار ما يسمى بمسرح المقهى ومسرح  الشارع، وبعد رحلة اكتشاف وغوص في المسرح عملنا خلالها على تقديم عروض مسرحية معدة عن نصوص عربية وعالمية التزمنا خلالها بالمحافظة على فكرة الكاتب وبنائه الدرامي مع محاولة الباسهما ثوب البيئة العربية خدمةً لمشروع التأصيل وهاجس الهوية، وبعد سلسلة من المشاركات المسرحية مع عدد من المخرجين والفرق المسرحية المحلية والعربية، وبعد العديد من الورش والمشاركات المسرحية في المهرجانات المسرحية العربية التي كان لها كبير الأثر في إثراء تجربتنا المسرحية، حط الرحالة رحالهم داخل المسرح وبدأنا رحلة اكتشاف فضائه المدهش، وأدركنا أن الخشبة بإمكانها أن تختزل العالم كله، وأن فضائها الرحب قادر على أن يكون فضاءً كونياً شاملاً، دون الحاجة للبحث عن فضاءات جديدة في الشارع والمقهى، وتحررنا من هاجس الهوية والتأصيل مؤمين بأن المسرح ولد إغريقياً ثم انتقل الينا كعرب مثلما انتقل الى بقية الأمم، وأنه فن إنساني يعنى بهموم الإنسان في كل زمان ومكان، بغض النظر عن الجنس والعرق واللون، وأن “شكسبير”  لم يكن يكتب لمجتمعه الإنجليزي فقط، بل كتب عن “عطيل” العربي و”هاملت” الدانماركي و”مكبث” الأسكتلندي..الخ وهذا سر خلوده، وتعلمنا أيضاً كرحالة أن على المسرح أن يكون فناً مستقلاً بذاته، وأن يتجاوز النص والحكاية والحبكة وكافة العناصر التقليدية، وأن الإخراج قراءة جديدة وخلقاً مغايراً للنص المسرحي، وأنه ليس ترجمة حرفية له ولا يتعامل معه بقدسية، بل أنه اقتحام للفضاء المسرحي بأفكار ومقترحات تمليها حالة التجلي التي تتشكل داخل البروفة، والتي قد تكون من وحي النص وروحه ولكنها ليست النص ذاته، فثمة صور ورؤى وطقوس كانت تتوهج داخل البروفة نابعة من أحلامنا ولحظات سمونا الروحي في مرحلة ما بعد النص، الذي لفظ أنفاسه الأخيرة داخل البروفة، فحلقت روحه في فضاء المسرح بمنتهى السحر والدهشة والتجلي، وهذه الروح هي التي أصبحت تعنينا كرحالة لكي نقدمها ليلة العرض وليس النص الأصلي الذي انتهت مهمته كعمل أدبي كان محفزاً لكي تتشكل الرؤى والأحلام، ثم جاء دور العمل الفني الخالص والنقي والمتحرر من الجنس الأدبي .

وكنا قد آمنا أنه بإمكاننا من خلال التكثيف والاختزال أن نصل بالعرض المسرحي إلى  مستويات ما قبل أو ما بعد اللغة، من خلال عملنا على اعادة اللغة إلى عناصرها الأولى المعبرة عنها، كما لو كانت جزيئات يمكن اعادة تركيب ذراتها من جديد .أملاً في تقديم رؤى اخراجية مغايرة تعمد لتوظيف سحر الطقوس والميثولوجيا وذلك الكم اللوني والتشكيلي الذي يحيل إلى بدائية الفنون، كمحاولة لكي يمتد العرض المسرحي إلى ذلك العالم الغامض لكنه المضيء في الداخل أيضاً، عالم السحر والرمز والحلم، وهكذا وجدنا أنفسنا “كرحالة” نقتحم عالم مسرح الصورة، مؤمنين بالمثل الصيني الذي يقول “الصورة بألف كلمة”، وبدأنا رحلة التجريب على الأسطورة والنص الكلاسيكي، محاولين تقديم تجارب مسرحية تختزل روح الأسطورة والنص الكلاسيكي بهدف الوصول إلى لغة بصرية تعتمد على الإيحاء وعلى التلميح بدلاً من التصريح، وتترك مساحة للمتلقي للتأمل والتفكير والتحليل، استناداً لمقولة “برتولد بريخت” التي تقول : “المسرح إيقاظ للعقل وليس مخدراً له” (24 أ) متأثرين أيضاً بما قرأناه عن تجارب جوردن كريج و “أدولف آبيا” (25أ)، ومستفيدين من مشاهداتنا لعروض مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، الذي قاد اتجاها مغايراً لدى المسرحيين العرب لتوجههم نحو المسرح التجريبي، وساهم في انفتاحهم على التجربة المسرحية الأوروبية بشكل خاص والعالمية بشكل عام، ومهرجان أيام قرطاج  المسرحية الذي فتح النافذة نحو الإطلاع على المسرح الإفريقي الثري والمغاير .

هاملت يُصلب من جديد

لتحقيق ذلك بدأنا  بالبحث عن نوع جديد من المسرح أطلقنا عليه في حينها “مسرح الدهشة” فجاء عملنا عام1993 على مسرحية “هاملت يصلب من جديد” اعداد وإخراج حكيم حرب، عن نص هاملت لوليم شكسبير ثم غادرته خلال البروفات إلى منطقة ما قبل النص(25ب)  فعالجت قضية قتل الأخ لأخيه منذ جذورها التاريخية الأولى في مرحلة بدء الخليقة حيث قابيل الذي قتل أخاه هابيل، ويهوذا الذي وشى بالسيد المسيح، وتكرار عملية القتل أو الصلب منذ أن وطأت قدم الإنسان هذا الكوكب حتى الآن، وليس منذ أن قتل “كلوديوس” أخاه ملك الدنمارك فقط، وقدم العمل بثلاثة ممثلين فقط “كفاح سلامة، بسام أبو عياش وحكيم حرب”، كانوا يتناوبون لعبة تبادل الأدوار في نص “هاملت” والذي لم نأخذ منه سوى جملة “أكون أم لا أكون” فقط ، حيث كان العمل على شكل صور ولوحات تعبيرية لم تهتم بسرد الحكايا  وتطورها المعروف بل تهتم بالحالة التي تم تطويرها خلال ورشة مسرحية أقيمت لهذه الغاية.

 فكما قال الناقد العراقي “فيصل ابراهيم كاظم” في مقال له عند عرض المسرحية في مهرجان

 بغداد المسرحي : “في العرض ثمة استعارة على مستوى العنوان كررت فعل الصلب

 وأسندت صورة الصعود إلى الجلجلة لهاملت بدل المسيح، ثمة مخيلة تسبح في فضاء مازج

 للأسطورة بتشعبات ثلاثة، ولن تستطيع وأنت تبحر في مجريات العرض إلا أن تتذكر لوحة

 “العشاء الأخير” ومأساة صلب المسيح وجزء من عنوان “كازنتزاكي” في روايته الشهيرة

 “المسيح يصلب من جديد”، هذا الخلط بين هذه المستويات الثلاثة جعل هاملت يتسلق طريق

 الصعود بأقدام مدماة وجسد أثقلته الحكمة في مقولة “أكون أو لا أكون” اشتباك في الرؤى

 وتداخل معقد تأخذ فيها “هاملت شكسبير” جزء من الحيز لا كله على مستوى هدف العرض،

 إنها سباحة في في خضم عوالم وأفكار لكل منها ثقله الخاص وأهدافه الخاصة، بل ونتائجه

 المحددة، ليقدم لنا العرض خلاصة جديدة لتصورات لا تقل أهمية عن سؤال قد نطرحه على

 أنفسنا في لحظات التأمل “ما معنى الوجود؟” (26)(27)(28) (29) .

*ميديا

ثم توالى عملنا ضمن هذا الأسلوب، فكانت مسرحية “ميديا” عام 1996 من اعداد وإخراج

 حكيم حرب، حيث التجريب مرة أخرى على الأسطورة الإغريقية، فالعرض لم يستند إلى

 نص محدد، بل استفاد من نصوص “يوربيدس، سينيكا، كورني وجان آنوي” ليصنع نصه

 الخاص معتمداً  على تقنية سينمائية هي “الفلاش باك” حيث استرجع ماضي الأسطورة الذي

 لم يرد في النصوص المسرحية الكلاسيكية التي تناولتها، لتحقيق المزج بين الخيال والواقع

 ولترتيب اللوحات التعبيرية القائمة على الحركة الإيقاعية الجماعية، استناداً إلى التكثيف

والاختزال في الحوار المنطوق لصالح الصورة والمشهد البصري، وقد منح التكثيف الحواري

 واختصار الشخوص أجواء رحبة وشكلاً من التركيز على شخصيات مركبة مزدوجة التأثير

 والمعنى، كما برزت روح المشهدية من خلال المشهد المركب حيث الاستخدام المدروس

لحركة المجاميع والموازية لحركة البطلين الرئيسيين “ميديا وجيسون”، حيث لجأ العرض إلى

 العديد من التفاصيل والمفردات الواردة في الطقوس والاحتفالات البدائية “كما يذكر الناقد

 الأردني جمال عياد” (30) ولم تتناول المسرحية حكاية ميديا بشكلها الكلاسيكي القديم، بل

 جائت على شكل فانتازيا خيالية غير مرتبطة بزمان ومكان، وعلى شكل طقس مسرحي أقرب

 إلى مسرح القسوة الذي نادى به “أنتونين آرتو” كما ذكر الناقد الأردني عبد الرحيم غنام

(31) وقد شارك في هذا العمل كل من : صبا مبارك، رانيا اسماعيل، محمد السوالقة، ذياب

 شاهين، نضال جاموس، موسى السطري، نائل أبو عياش، أحمد الدهشان وحكيم حرب .

*ملهاة عازف الكمان

 قدم الرحالة بعد ذلك “ملهاة عازف الكمان” في عام 1998 والتي لم تأخذ من نص “سوء

تفاهم” ل “البير كامو” سوى حالة الاغتراب وعدم القدرة على التواصل بين البشر، والتي

كانت جوهر النص الذي لم تعنينا فيه الحكاية التي ما عادت أحداثها عندنا تدور في فندق

بل في دير مهجور تسكنه أرواح الشخصيات التي تم قتلها على يد الأم وابنتها، والتي نراها

تتحرك طوال العرض على أنغام الخادم الأخرس في النص الأصلي، والذي تحول عندنا إلى

 عازف كمان يلهو بمصير الشخصيات ويحركها كمايسترو الموسيقى، كنوع من الدلالة والإشارة لدور القدر “الصامت” في قيادة البشر نحو مصيرهم المأساوي المحتوم، فكان العمل

شبه صامت وتطغى عليه الموسيقى والحركة وأقرب إلى السيمفونية منه إلى المسرحية . فقد

عمد “البير كامو” من خلال نصه “سوء تفاهم” إلى التأكيد على أن ثمة سوء فهم متأصل في

الجنس البشري، سببه هو افتقادهم للغة بسيطة في التواصل تحول دون حدوث المأساة، ففي

 حين تجري أحداث النص الأصلي داخل فندق، فإن نص العرض جعل الأحداث تجري داخل

 دير قديم، يأوي اليه المتعبون من اشكالات الحياة تعبداً وتنسكاً، ويكمن الهدف من وراء نقل

 بيئة العرض من فندق إلى دير قديم، لإضفاء جلال الأسطورة المأساوية من خلال أجواء

 الطقوس الدينية التي توفرها أجواء الدير، عبر إضاءة الشموع وأصوات التراتيل ورائحة

 البخور، والتي تحيلنا إلى جذور المسرح، والذي بدأ عند الأغريق على شكل طقس ديني

 (32) ملهاة عازف الكمان أشبه بصلاة دموية تجري في دير مهجور، على تراتيل موسيقى

 عازف الكمان، الذي يقود شخوصه نحو مصيرها المحتوم، وفي لحظة تجليه تحول العرض

 إلى سيمفونية روحانية تتفجر فيها لغة جديدة بعيدة عن لغة الكلمات، التي تظل عاجزة عن

 التعبير عما يجول في سراديب النفس البشرية، إنها تنهدات الروح وارتعاشات الجسد تحت

 تأثير الضوء والموسيقى، التي عرت كل شيء فكشفت عن نوايا الشخوص لا عن أفعالها

 الظاهرية (33) وكان العمل من إعداد وإخراج حكيم حرب، وتمثيل كل من : ساندرا ماضي،

 تغريد هاني، موسى السطري، واصف الخطيب، نائل أبو عياش وحكيم حرب .

*كوميديا حتى الموت

في عام 2000 قدمت فرقة مسرح الرحالة مسرحية “كوميديا حتى الموت” المعدة عن نص

“كاليجولا” ل “البير كامو”، حيث تم تجريد العمل من شكله الكلاسيكي ووضعه في بيئة

معاصرة تنتمي إلى العالم السفلي لطبقة المسحوقين وأصحاب السوابق والخارجين عن القانون،

 فكان فضاء العرض أشبه بوكر عصابات، تمتلئ به الخردة والنفايات والأشياء الفائضة عن

 الحاجة بشكل فوضوي، كإشارة رمزية إلى فوضى العالم الذي تحول بفعل الصراعات

البشرية إلى مكان مغلق وموحش لا يصلح للحياة الآدمية، مما ساهم بإبراز نماذج “كاليجولية”

 ممعنة في العبث ومؤمنة بأن “هذا العالم عديم الأهمية، وبأن الرد على عبثية العالم لا يكون

 إلا بإطلاق العنان لمزيد من السلوكيات العبثية والشريرة، فالشر يلهب العقل ويجعلنا أذكياء”،

 على الرغم من وجود وجهات نظر أخرى يتبناها الفيلسوف “الممثل ياسر المصري” تنادي ب

 “أننا يجب أن ندافع عن هذا العالم لكي نستطيع أن نعيش فيه”، وأخرى تتبناها زهرة “الممثلة

 أريج الجبور” وتقول “إذا كان الشر موجوداً على الأرض فلماذا نريد أن نزيده شراً ؟

فالسعادة كريمة ولا تعيش على الخراب بل على الحب”، بينما للشاعر رأي آخر تجسد بمقولة

 “أريد أن آخذ العالم كله في روحي”، ووسط تضارب الحقائق ووجهات النظر يفضي العرض

 إلى أن الحقيقة الوحيدة في هذا العالم هي أن ليس هنالك حقيقة، وهنا يتحول العالم برمته إلى

لعبة كوميدية يجب أن لا نأخذها على محمل الجد، ولكن أي كوميديا؟ إنها كوميديا سوداء

أطلقنا عليها “كوميديا حتى الموت” (34)، وكما يقول الدكتور صلاح القصب خلال تعقيبه

على العرض : “شكلت هذه التجربة فضاءً تجريبياً  يعتمد بقراءته على تجليات الفن التشكيلي

 وعظمة الموسيقى وجمر الشعر، وتركت فلسفته الإخراجية في محيط جمالي، فالتحليلية

تتحرك ضمن فضاءات حرة وتدخل ضمن المصطلح التقدمي الإخراجي، والتي تعتمد على

 آلية اشتغال مبنية على المغايرة الدلالية، بين بنية الخطاب الدرامي وأدلته وبنية العرض

وأدلته، إن المشاهد في هذا العرض واجه مشهدية قائمة على التغيير المستمر، الطقوسية تلغي

الطقوسية، علامة نفي متبادلة، فالعرض كان فضاءً واسعاً أعطى مجالاً لاصطدام حول فكر

المتلقي، الذي عمل المخرج في تأكيد كيميائية العرض، حاول فيها جمع العناصر المتنافرة

وجعل منها دلالات موحية بالعالم المضطرب المميت، ضمن ثنائية صورية ما بين الحياة

والموت، إنها تجربة صورية إنشائية مركبة، بلورت الشكل واختزلت كافة المتناقضات

وجمعت العناصر ذات العلاقات المتباينة وجعلت من الفضاء تشكيلاً رمزياً، كما أن بنيت

التشكيل السينوغرافي الذي تأسس عليه العرض بنية غير ثابتة، ديناميكية حركت الفضاء

بروحية التناقض والانفعال فكان العرض عالماً مسحوراً بإحساس دائم بالقلق، ممثلوه يبحثون

الجمال بشكوك مستمرة بالحقيقة الأرضية الزائفة، وإن بنية العرض تقدمت لهيكلها جميع

الأزمنة الماضية، لتؤسس لها زمناً خاصاً هو زمن العرض السرمدي، يسمو في فضاءات

مسحورة شاسعة” (35) وكان العمل من إعداد وإخراج حكيم حرب .

*مكبث

في عام 2001 قدم الرحالة مسرحية “مكبث” وهي عمل ملحمي تسجيلي يوظف المادة

الدرامية الشكسبيرية بتوازي مع المادة التاريخية والميثولوجية الكنعانية، بحيث اهتم العرض

بالحادثة وليس بالحدث، وتعرض لمأساة شعب وليس لمأساة فرد أو بطل تراجيدي كما هو في

 النص الشكسبيري، فمكبث من خلال طعنته الغادرة كان قد قد قتل وشرد شعب بأكمله وليس

فرداً واحداً (36) فمكبث في هذا العرض منفصلة عن مكبث شكسبير، فهي لم تأخذ منها سوى

شخصيتي مكبث والليدي، مما جعل الدكتور صلاح القصب يعتبر ذلك تأليفاً جديداً وليس

إعداداً، بينما ذهب المخرج العراقي عزيز خيون إلى أن العرض كان ينهض بالتشكيل

البصري والكلمة والصورة والأداء المؤثر للممثلين “مجد القصص وأشرف طلفح” من خلال

لغة الجسد، وأكد كاظم نصار أن عرض مكبث يؤكد أسلوبية هرمونية جامعة بين فرضية

المكان ومنظومة الحركة والسمع والبصر، واعتبر الفنان اللبناني جهاد الأندري أن عرض

مكبث عرضاً كيروغرافياً مليئاً بالتشكيلات الجمالية، مشيراً إلى أن المشهدية العالية في

العرض كانت تكفي لإيصال الفكرة دون حاجة للنص المقروء (37) . ويضيف الدكتور صلاح

القصب “يدخلنا عرض مكبث من خلال تشكيل مكاني مرعب متأسس على خرائط مجنزرات

وأرتال موت تتجول طوال زمن تراجيدي لا نعرف إلى أين سيقود هذا العالم، أرواح وأطياف

شريرة تخطط لما هو قادم، إنها نبوءات الدم القادمة من من ثكنات القتل، عرض مكبث رسم

خارطته من التشكيل الكيروغرافي الذي اعتمد الجسد كحركة تشكيله في رسم فضاء العرض،

 فكيروغرافيا العرض كانت خطوطاً وتشكيلاً لقراءة ميثولوجية تقوم على ببناء معمار جسدي

 وفكري في فضاء يعبر عن محيطنا الكوني بكل عنفه وقسوته (38) وكان العمل من إعداد

وإخراج حكيم حرب .

*مأساة المهلهل

ثم كان في عام 2004 عملنا على السيرة الشعبية “الزير سالم” الذي لم يعد سيرة شعبية كما

 جرت العادة عند تقديم هذا النوع من الأعمال، بل تحول العرض إلى احتفال فانتازي لا يمت

 للسيرة الشعبية بصلة، والتي لم نأخذ منها سوى المقولة الشهيرة للزير سالم “أريد كليباً حياً”

 كمحاولة منه لإعادة أخيه إلى الحياة بعد موته محتجاً على فكرة عدم عودة الزمن الى الوراء،

 ولهذا جاء الفضاء المسرحي عبارة عن محطة قطار وتحولت الخشبة الى سكة حديد دائرية

تدخل اليها شخصيات مقنعة بأقنعة غرائبية تنتمي الى ما يشبه مسرح الكابوكي الياباني، وهي

 تستقل عربة قطار يقودها شخص بمظاهر فانتازية كرمز للزمن الذي يسخر من عدم قدرة

الإنسان على اعادة الزمن الى الوراء، بينما يواجه بطل المسرحية هذا القطار “الزمن” في

نهاية العرض ويخوض معه حرباً وهمية لكي يعيده الى الوراء فيسترجع أخاه القتيل ، على

طريقة دون كيشوت في محاربة طواحين الهواء . وهكذا تحول الزير سالم هنا من بطل

 شعبي يخوض حرباً طويلة الأمد لأجل ناقة، إلى بطل تراجيدي يخوض صراعاً وجودياً

وعامودياً من خلال احتجاجه على فكرة الموت وإصراره على إعادة الزمن، فكان العمل

يمزج ما بين السيرة الشعبية وأسطورة دونكيشوت بشكل احتفالي، ويرتقي بالبطل الشعبي إلى

 مصاف الأبطال التراجيديين في المأساة القديمة، فمثلما كان الزير سالم عربيداً في الحب لا

يطلب إلا اللذة الكاملة حتى سمي بالزير، وعربيداً في الشعر لا يطلب إلا الكلمة الكاملة حتى

 سمي بالمهلهل لأنه كان يهلهل الشعر ، فقد كان أيضاً عربيداً في الفكر لا يطلب إلا الحقيقة

 الكاملة والعدالة المطلقة، وتلخص ذلك بطلبه الشهير “أريد كليباً حياً” وهو طلب محزن

 ومضحك في آن واحد، إلا أن ظاهره عدل وباطنه عدل أيضاً، لكنه عدل غير معقول إلا أنه

 بذات الوقت يعد عدلاً قيماً، فلم يكن المهلهل يطلب سوى معجزة صغيرة، ولكن الزمن يناصبه

 العداء، فلا يستطيع العودة إلى الوراء، لهذا كان العدو الحقيقي للمهلهل في هذا العرض هو

الزمن وليس “جساس” قاتل أخيه، فجساس لا يمكن أن يكون كفؤاً لكليب حتى يعتبره خصمه،

 وقد تجلت لحظة مقتل كليب داخل العرض بأن الذي طعنه هو الزمن الغادر وليس جساس،

ذاك الزمن الذي جسده الفنان “كيمو” بحرفية عالية، فكان على شكل سائق عربة أسطورية

 تسير فوق سكة حديد، بحيث يحمل في عربته هذه الشخوص من وإلى خشبة المسرح وكأنه

 يقودهم بسخرية نحو مصيرهم المحتوم . وقد انقسمت خشبة المسرح إلى قسمين، القسم الأول

 واقعي ومعاصر يعيش فيه فنان حالم ينشد الحقيقة المطلقة فيلجأ إلى الخيال برفقة “زبال”

بسيط أداه الفنان علي عليان ببساطة كوميدية طريفة ومحببة، ويكون تابعاً له في لعبة الخيال

 على طريقة “دون كيشوت وتابعه سانشو”، والقسم الثاني تجري فيه أحداث الحكاية

الأسطورية كما يتخيلها ويلعبها الفنان مع تابعه، وفي نهاية المطاف ومثلما يقود المهلهل حرباً

لا نهائية في محاربة الزمن الذي سلبه أخاه، فأن الفنان في المستوى الأول يخوض حرباً

وهمية أيضاً ضد الزمن الذي لا يجيب على أسئلته ولا يمنحه الحقيقة المطلقة ولا يعود للوراء

حيث زمن الأبطال الحقيقيين وزمن الانتصارات بدلاً من زمن الانكسارات الذي يعيشه الفنان،

 ومثلما يفني الزير حياته في هذه الحرب الكونية العدمية، فإن الفنان يفني حياته فوق سكة

الحديد في مواجهة القطار الذي يتوهمه الزمن، فيصرخ به : “تعال أيها الزمن إلى الحلبة

واطلب نزالي حتى الرمق الأخير” تماماً كما فعل دون كيشوت في محاربته لطواحين الهواء

هذه الرؤية جعلت شكل العرض يبدو كأنه حلم من الأحلام التي تدور داخل عقل الفنان الذي

 يعيش في المستوى الأول فوق الركح، يفصله ستار شفاف عن المستوى لثاني الذي كان سكة

 حديد دائرية الشكل، تدور فيها الشخوص باحثةً عن معنى وجودها، لكنها لا تجد غير فراغها

وتدور فيه (39) (40) (41) . وكان العمل من تأليف وإخراج حكيم حرب .

*نيرفانا

ثم كانت مسرحية “نيرفانا” عام 2009 وهي مشروع تفرغ إبداعي من وزارة الثقافة، وكان

العرض ينتمي إلى مسرح الحالة ولم يكن مسرحية بالمعنى التقليدي، ففيه تجلت حالة روحانية

 حاولت المزج بين روحانية البوذيين، كما عبر عنها “هيرمان هيسه” في روايته الشهيرة

“سدهارتا”، والمتصوفين العرب، كما ظهرت في أشعار الحلاج وابن الفارض، بالإضافة

لأشعار الفارسي حافظ الشيرازي، بهدف التعبير عن فكرة أن القلق الإنساني واحد وأسئلته

 الوجودية واحدة على الرغم من اختلاف اللغة والثقافة والجغرافيا . إنها قصة البحث الطويل

 للروح عن الجواب المطلق،  فكان العرض ينشد تحقيق حالة تأملية وشعورية مع المتلقي على

 أنغام طقوس البوذيين وتأملاتهم العميقة، وأغاني المتصوفين العرب ورائحة بخورهم وصوت

 دفوفهم، ليصل إلى فكرة مفادها : ” أن الحب – بمعناه الكوني الشامل – هو أعظم اكتشاف في

 هذا العالم ” فبطل المسرحية يعيش حالة من الترحال للبحث عن الجواب المطلق، فيلتقي ببوذا

 ثم يغادره لأنه مل التعاليم، فهو عليه أن يصنع مصيره بنفسه، ويحل إشكالية شكوكه، فتنقله

خطاه من أقصى حالات الزهد إلى أقصى حالات العشق مع الغانية “كامالا” ولكنه لا يقنع بذلك

 على الرغم من القصر الفاره الذي عاش فيه معها، إلا أنه كان بالنسبة له قفصاً من ذهب، وقد

 آن للطائر أن يحلق من جديد، وفي طريق عودته يلتقي بمراكبي يعمل على مركب صغير

وسط النهر، فيتعلم منه ما لم تعلمه إياه الكتب وما لم يرشده اليه المعلمون، تعلم منه أن يصغي

 إلى النهر ليعثر على الجواب المطلق، فاكتشف أن النهر موجود في كل مكان وفي الوقت

ذاته، في المنبع وفي المصب، في الشلال وفي المعبروفي التيار، في المحيطات والجبال، في

 كل مكان، وأن لا وجود إلا للحاضر بالنسبة له، لا وجود لظل الماضي وشبح المستقبل، لا

شيء كان ولا شيء سيكون، لكل شيء واقعه وحضوره، فالخير كله والشر كله والأشواق كلها

 والأحزان كلها والمتع كلها، هذه كلها متشابكة ومختلطة ومتزاوجة ومجتمعة هي العالم، هي

جدول الأحداث المتدفق وموسيقى الحياة، عندها أشرقت البسمة على وجهه، وشفي من جراحه

 وتلاشت آلامه، وذابت نفسه في الوحدة، ولم يعد يصارع ضد مصيره، فشعت في روحه

سكينة المعرفة، وأدرك أن كل شيء في الحياة جيد، ولا يحتاج إلا لموافقته وقبوله، فهيمن عليه

 شعور بحب كبير وباحترام هائل لكافة مكونات الوجود .

ولتحقيق هذه الحالة الروحانية وهذه الفلسفة العميقة، ارتكزت الرؤية على تحويل المسرح إلى

 نهر ممتد من خشبة المسرح وحتى آخر الصالة فوق مقاعد الجمهور، فصار الممثلون

والجمهور وحدة واحدة، يوحدهم النهر، ويمتزجزن في داخله، مثلما تمتزج أشكال الحياة معاً

 لتشكل الحياة على الرغم من تناقضاتها، واستخدم العرض القماش الأبيض الشفاف ليوحي

 بالنهر طوال لوحات المسرحية، والذي منه يولد الممثلون في اللوحة الأولى كأنه قماط يلتفون

 فيه، وإليه يعودون كأنه كفن يحتويهم، وتستمر الحياة ويواصل النهر تدفقه رغم كل شيء .

 وهكذا كانت نيرفانا خطوة جديدة باتجاه مسرحة الرواية بتصرف، من خلال هدم النص

 وإعادة خلقه من جديد على شكل صور ولوحات تختزل الجمل الذهنية والفلسفية لصالح

 الصورة والمشهدية، ليس بهدف تقديم خطاب أو وجهة نظر، بل بهدف إثارة حالة لدى المتلقي

 الذي سيفسرها حسب درجة وعيه وشدة تفاعله . وفي نيرفانا وصلنا إلى أعلى حالات التجلي

وترسحت علاقتنا مسرحياً بفكرة التحرر من عقدة تقديس النص وعقدة الخوف من الخوض

  في مغامرة تفكيكه وإعادة تركيبه بما يتوائم ورؤية المخرج صانع الرؤية ومبتكر الصورة،

 مؤمنين بأن التحرر من ذلك لا يعني الوقوع  في وحل تدنيس النص، بمعنى أننا كنا نعي

 تماماً أن هدم النص أو الاستغناء عنه والاكتفاء ب “روح النص” أو ما يشكله من “حالة”

 يجب أن يرتكز إلى ادراك ووعي كامل من قبل المخرج بكنه النص والقدرة على تحويله

 من عمل أدبي مكتوب إلى حالة من الشعور أو صورة من الصور، حتى لا يقع المخرج في

 مطب تدنيس النص – كما يطلق البعض على كل من يحاول تجاوز النص والغائه – الا اذا

كان التدنيس المقصود هو ذاك الكشف الجديد الذي تسقط فيه الأقنعة ويقود للمعرفة والتحليق

 في فضاءات لا متناهية من القدرة على الخلق والابتكار، عندئذٍ يصبح ذاك النوع من التدنيس

 تدنيساً حلواً ومحبباً . فما كان يهمنا من هاملت ومكبث وأنتيجوني وميديا وكاليجولا وسدهارتا

 والمهلهِل ..الخ، ليس حكاية كل منهم، بل الحالة التي شكلها كل منهم والتي من الممكن التعبير

 عنها بالصورة والإيمائة والإشارة والحركة، بدون نص وبدون كلمات، فقط خشبة مسرح

فارغة وإضاءة وموسيقى وأجساد تنبض بالحياة وتمتلك القدرة على التعبير . وهكذا فإن كل ما

 قدمناه للمسرح كان يندرج ضمن هذه الحالة التي أطلق عليها لاحقاً مصطلح  “مسرح ما بعد

 الدرامي” أي ما بعد النص والحبكة والحكاية، أي مسرح حالة وصورة وليس مسرح حدث

 وكلمة (42) (43) (44) (45) (46) . والعمل من اعداد واخراج حكيم حرب .

*التحول من الأسطوري إلى الواقعي ومن التراجيدي إلى الكوميدي

كانت “نيرفانا” رأس الحكمة المسرحية بالنسبة لنا، فشكلت بالنسبة لنا نقطة تحول جذرية،

 فمثلما أدرك بطل نيرفانا الجواب المطلق الذي جعل روحه تنعم بالسكينة فتصالح مع كافة

 مكونات الوجود ولم يعد يصارع ضد مصيره، أدركنا نحن جوابنا المسرحي فتصالحنا مع

كافة أشكال المسرح الأخرى التي كنا نصارع ضد وجودها لأنها تعمل على النقيض مما نعمل

 ونفكر، فتعلمنا أن كل ما في المسرح جيد وجميل ولا يحتاج ألالموافقتنا وقبولنا، ويستحق أن

 نجربه . ومثلما تعلم بطل “نيرفانا” من المراكبي البسيط سر الحياة، تعلمنا من الجمهور

 الشعبي والبسيط سر المسرح، فأدركنا أن هذا الجمهور هو الركيزة الأساسية لنجاح أي

 عرض  مسرحي، وبأن مسرح بلا جمهور يعني الرقص في الظلام، فإذا لم يكن الجمهور

 متدفقاً على أبواب المسارح كتدفق النهر في نيرفانا فإننا سنبقي بعيدين عن الحكمة المسرحية

 مهما أبدعنا من صور وأساطير .  

فعلينا الاعتراف بشجاعة بأن مسرح الصورة والأسطورة وعلى الرغم من أهميته وسحره

 وجماله إلا أنه لم يحقق انتشاراً واسعاً داخل المجتمعات العربية، وبقي يعيش في عزلة عن

 الجمهور واصطدم معه أحياناً واقتصر على المسرحيين والنخبة فقط، وأعتقد أن سبب ذلك

 يعود إلى أن “مسرح الصورة” لا يقيم وزناً للكلمة ولا يقدس النص ويعتمد بشكل كبير على

 الصورة والحركة والحالة، وهي أمور لا تلقى قبولاً في الثقافة العربية التي يغلب عليها الطابع

الحكائي والكلامي والشعري والتقديس الكامل للنص، ولهذا برع العرب تاريخياً في الشعر

والخطابة ولم يبرعوا في المسرح والنحت والتشكيل، الذين لا تزال بعض التيارات الدينية

تعتبرهم من المحرمات، كما ورفضت الثقافة العربية الإسلامية أي طقوس خارجة عن إطار

الطقوس الدينية المعروفة، وبناءً عليه حكم “عربياً” على “مسرح الصورة” بأنه نوع من

 التدنيس والتجديف والشطط . ونعتقد أن الثقافة العربية لا تزال تعاني من الهجوم الشرس

 على شعر الحداثة وما بعد الحداثة، وهي غير مهيئة للدخول في دوامة هجوم جديد على

مسرح الصورة أو “مسرح ما بعد الدراما”، هذا المصطلح الذي يعتبره الكثيرون غريباً عن

المسرح ودخيلاً عليه، لكونه قادم من حقل الشعر الذي يستند إلى اللغة المنطوقة والكلام

المحكي وجزالة الألفاظ، بينما المسرح ليس مجرد لغة منطوقة وكلام محكي وألفاظ جزلة .

وهنا بدأنا نتسائل عن جدوى تقديم مسرح الصورة أو “مسرح ما بعد الدراما” للجمهور

العربي، وحول حقيقة وصول الجمهور العربي لمرحلة القدرة على تذوق واستيعاب رؤى

 اخراجية لمسرح الصورة وما بعد الدرامي، بينما لا زال ذاك الجمهور في مرحلة محاولة

تذوق واستيعاب مسرح الكلمة والمسرح الدرامي ذاته، ولا زال يؤمن بقدسية النص ويرفض

 العبث به ويعتبر ذلك تدنيساً للراسخ والثابت والمقدس ؟؟؟

وشغلنا سؤال : هل لمسرح الصورة وما بعد الدرامي أن يعيش وينجح ويتطور في بيئة تعيش

 وتفكر بطريقة تقليدية ولا تتوفر فيها أبجديات وشروط نمو هذا النوع من المسرح، والمتمثلة

 بقبول التنوع والاختلاف والتعددية وحرية الفكر وحق التعبير، وخصوصاً أن هذا النوع من

 المسرح يعتبر تمرداً على القيود والثوابت والمسلمات ؟؟؟؟

 هذه الأسئلة التي بدأت تلح علينا مؤخراً قادتنا للبحث عن مسرح مختلف ومن نوع آخر،

 يستطيع أن يعيش داخل البيئة العربية المثقلة بالحروب والنزاعات الإقليمية والعقائدية

 والطائفية والفكر المتطرف، ومن الممكن أن ننشده في عملنا كمخرجين وصناع رؤى

 “عرب” للوصول الى ما يلبي طموحنا الفني دون أن يصطدم مسرحنا مع الجمهور أو يعيش

 في عزلة بعيداً عنه، كتلك العزلة التي عاشها “سدهارتا” بطل مسرحيتنا “نيرفانا” في الكهوف

المظلمة بحثاً عن الجواب المطلق، معتقداً أن اعتزال الحياة والقطيعة مع كل ما يناقض تفكيره

سيجعله يحصل على الجواب، لكنه لم يحصل على جوابه إلا عند رجل بسيط يفيض بالحياة

مثلما يفيض النهر بآلاف المعاني والصور التي تحتاج أن نتصالح معها .  

 *انعكاسات الربيع العربي في تجربة الرحالة

ان التحولات الدراماتيكية السريعة التي أحدثها الربيع العربي مؤخراً لم تخطر ببال كبار كتاب

 المسرح في العالم بما فيهم “وليم شكسبير” الذي تعج مسرحياته بقصص تراجيدية حول

النهايات المأساوية التي وصل اليها أعتى القياصرة والأباطرة عبر التاريخ، مثل يوليوس

 قيصر، مكبث، ريتشارد الثالث وهنري الرابع . لذا فأن الواقع العربي غدا أكثر مأساوية

 وغرائبية من المسرح، مما جعلنا كمسرحيين عاجزين عن تقديم قصص وأحداث

وموضوعات درامية قادرة على منافسة قصص وأحداث وموضوعات الواقع العربي المعاش .

 فمن مسرحية سقوط البرجين في “نيويورك” والحرب على أفغانستان، إلى دراما سقوط بغداد

 والقاء القبض على الرئيس العراقي الراحل “صدام حسين” داخل حفرة ومحاكمته وإعدامه

  فجر العيد، والذي شاهده الملايين عبر هواتفهم النقالة، إلى احراق “البوعزيزي” لنفسه

واندلاع الثورة في تونس وهروب الرئيس التونسي السابق “زين العابدين بن علي”، وصراخ

 التونسيين وسط شارع “الحبيب بو رقيبة” : “بن علي هرب .. بن علي هرب”، إلى الورد

 الذي تفتح في حدائق مصر وخروج الملايين إلى ميدان التحريروهم يهتفون : “إرحل ..

 إرحل” إلى أن رحل “حسني مبارك” وتم اقتحام السجون فهرب “محمد مرسي” وأصبح

 رئيساً لمصر، ثم سرعان ما تمت الاطاحة به من خلال ثورة، ليحل قائد الجيش “عبد الفتاح

 السيسي” رئيساً لمصر بدلاً منه، إلى القاء القبض على “أسامة بن لادن” وقتله على طريقة

 أفلام “الآكشن” ، واندلاع الثورة في ليبيا وهروب القذافي واختبائه داخل نفق خاص بالصرف

 الصحي، وقتله بطريقة بربرية، إلى ما حدث في اليمن من أحداث جسام لم تنتهي بمقتل “علي

 عبد الله صالح” واندلاع حرب اليمن التي لا زال سعيرها يأكل الأخضر واليابس، إلى المأساة

السورية التي لا زالت فصولها مستمرة، وحتى ظهور عصابات الفكر الظلامي والتكفيريين

 والقتل المجاني على الهوية وسلسلة التفجيرات والهجمات الإرهابية التي روعت العالم .

وهنا بدأنا كمسرحيين رحالة رحلة التحول من الأسطوري إلى الواقعي، وبدأنا نرى أننا بحاجة

 إلى نوع جديد من المسرح لا يعمق الإحساس التراجيدي لدى المتلقي العربي – الذي أتخم بكم

 هائل من الحالات التراجيدية التي يعجز عن تخيلها كبار المسرحيين – بل أن يأخذ موقف

 الساخر والمتهكم على هذا الواقع الذي لم يزهر ربيعه خيراً ورفاهية وسلام على شعوبه، بل

 تفجر دماً ودموعاً وويلات، لا زالت حممها تتطاير حتى الان . وبنفس الوقت فإننا لم نعد نريد

 للمسرح أن يتناول قضايا وجودية وميتافيزيقية وسوريالية بعيدة عن الواقع الملتهب الذي

 يعيشه المواطن العربي، المتمترس وراء شاشات التلفزة ليل نهار، لمتابعة الأحداث السياسية

 الجسام التي تجري كل يوم، ولا وقت لديه للتفكير في حل مشكلة “جودو” لمعرفة ما اذا كان

 سيأتِ أم سيطول انتظاره، ولا الصبر على تأمل “سيزيف” وهو يكرر حمل الصخرة إلى قمة

 الجبل ودحرجتها إلى قعر الوادي ومن ثم معاودة حملها من جديد، ولا البكاء بحرقة على

 المصير المأساوي الذي لقياه العاشقان الرومانسيان “روميو وجولييت”  .

ومن هنا كان الانعكاس الأقوى للربيع العربي متمثلاً بمغادرتنا كمسرحيين عرب للقضايا

الفلسفية والذهنية والعبثية، التي تزخر بها النصوص المسرحية العالمية، مثل نصوص “البير

 كامو” و “جان بول سارتر” و ” صموئيل بيكيت” وغيرهم، واقترابنا من نبض الشارع

العربي وهموم الناس وقضاياهم المصيرية (47) .

*عرائس فوق مسرح متوهج

ولتحقيق ذلك قمنا عام 2012 بمسرحة واخراج رواية “رجال في الشمس” للكاتب الفلسطيني

 “غسان كنفاني” بعنوان جديد حمل اسم “عرائس فوق مسرح متوهج” والتي أرخى الربيع

العربي بظلاله على أحداثها، فبدا أننا كشعوب عربية لا زلنا نموت اختناقاً داخل أوطاننا التي

 أضحت خزانات مظلمة للموت البطيء، وأن محاولاتنا لطرق جدران الخزان قد بائت بالفشل،

 فعلى الرغم من اجراء تغيير على أحداث الرواية الأصلية، من حيث جعل الشخصيات تخرج

 من الخزان لتطارد أبا الخيزران – كإشارة لما حدث في ثورات الربيع العربي – إلا أن

الأحداث تتكشف عن استنساخ جديد لأبي الخيزران مستمر في قيادة مركبتنا نحو المجهول،

وهو ما يؤكد على أن الربيع العربي لم يفضي إلا إلى تغييرات شكلية لكن الجوهر بقي على

 حاله، وقد تم التعبير عن هذه الحالة بشكل كوميدي ساخر قريب من المسرح الشعبي، بعيداً

عن الأجواء المأساوية التي كانت تزخر بها رواية كنفاني (48) (49) (50) (51) . والعمل

من اعداد واخراج حكيم حرب، وتمثيل : نائل أبو عياش، تيسير محمد علي، كيمو محمد

وحكيم حرب .

*عصابة دليلة والزيبق

وفي عام 2014 قدمنا مسرحية “عصابة دليلة والزيبق” مسقطين خلالها أحداث إحدى حكايات

 الف ليلة وليلة “دليلة والزيبق” على ما حدث في الربيع العربي، للتعبير عن عصابات القتل

 والدمار التي ظهرت في منطقتنا العربية، وإلى الصراع الدموي العبثي الذي لا تزال رحاه

 تدور بين الأشقاء حتى الان، والذي اختلطت فيه الأمور بشكل ضبابي لم نعد نميز خلاله من

 على صواب ومن على خطأ، والذي لا ينتهي إلا بخسارة الطرفين وانتصار عدوهما المشترك

 الذي لطالما انتظر أن يقضي كلاهما على الآخر لكي تخلو له الأرض بما رحبت، فهذا

 الصراع الذي يدور بين العاشقين “دليلة والزيبق” لم يخدم سوى أولئك المتربصين الذين

 مهدوا له وغذوا عصاباته من الجانبين، ثم ادعوا أنهم بصدد القضاء عليها ، بحثاً عن سلام

 زائف وسعادة فارغة . وكان العمل من بطولة الفنان الأردني الراحل “محمد القباني” وأسماء

 مصطفى وحكيم حرب، واتسم بطابع السخرية وكان يمثل خطوة أكبر باتجاه الاقتراب من

 الناس، بهدف تأسيس مسرح جماهيري نوعي، يخلو من الإسفاف والابتذال، ويقدم خطاب

 فكري راقي بلغة مسرحية بسيطة، ويحاول تحقيق المعادلة الصعبة المتمثلة بالوصول إلى

 مسرح يشاهده المثقف ورجل الشارع على حد سواء، دون الإغراق في الفلسفة ودون المبالغة

 في الصور السينوغرافية (52) (53) (54) والعمل اعداد واخراج حكيم حرب .

*ليلة سقوط طيبة

وفي عام 2016 قمنا “كرحالة” بإعادة كتابة وإخراج أسطورة “أوديب” لتناسب الواقع العربي

 السياسي المعاش، من خلال نص مسرحي جديد بعنوان “ليلة سقوط طيبة” وذلك للتعبير عن

 الفوضى التي حلت بمنطقتنا العربية بعد أحداث الربيع العربي، مشككين في نصنا الجديد

 وبشكل ساخر في كل ما نسب لأوديب حول أنه قاتل أبيه وزوج أمه، مؤكدين على أن هذه

 التهمة قامت بتسويقها كل من المؤسسة العسكرية بقيادة القائد العسكري “كريون” والمؤسسة

 الدينية بقيادة الكاهن “تريزياس”، بهدف تشويه “أوديب” وتمهيداً لعزله والاستيلاء على عرشه

  كما وشككت المسرحية بنوايا كل من “بولونيس” و “اثوكليس” أبناء أوديب، اللذان تصارعا

 على حكم “طيبة” بعد موت أبيهما “أوديب” مدعيان بأن كل منهما يقاتل لحماية طيبة وشعبها،

 مع أن الحقيقة عكس ذلك تماماً، فقد كانا يتصارعان كما يتصارع صبيان الأزقة فباعا طيبة

 وطرحاها في المزاد، إلى أن قتل كلاهما الآخر . وتناولت المسرحية بسخرية قضية انزلاق

 الشباب وراء صراعات “الأخوة الأعداء” الذين لا هم لهم سوى الوصول إلى السلطة على

 حساب تضحيات الأبرياء، وعبرت شخصية “أنتيجون” ابنة أوديب،عن هذه الشريحة من

 الشباب، التي تقدم أرواحها ثمناً لطبخ سياسي لا تدرك خفاياه، فهذه المأساة التي يتوق الشباب

 لتمثيل أدوار الضحايا فيها ما هي الا مسرحية تم إعدادها بشكل محبوك لتبدو حقيقية، مع أن

 الحقيقة هي أن كل ما يحدث تمثيل في تمثيل، بهدف تحقيق مآرب أخرى يجهلها هؤلاء

 الشباب الذين نحن بحاجة لهم فوق الأرض وليس تحت الأرض، كما هو  الحال في معظم

 الأقطار العربية التي سقط فيها العديد من الشهداء الشباب – خلال ثورات الربيع العربي –

 على أمل التغيير، لنكتشف لاحقاً أن الأمر لم يتعدى كونه مسرحية انطلت علينا كلنا وإمعاناً

 منا في الاقتراب من الجمهور أكثر بدأنا العودة إلى بداية عملنا كرحالة، فقدمنا سلسلة

 عروض للمسرحية في إطار مسرح المقهى، وتحديداً في مقهى “أوتاد” في جبل اللويبدة وسط

 العاصمة عمان، وكنا نتعمد اشراك الجمهور في الحدث، وفتح نقاش معه بعد انتهاء العرض،

 وكانت سعادتنا كبيرة بما حققه العرض من تفاعل مع جمهور غير جمهور المهرجانات،

 جمهور ينتمي لشرائح اجتماعية وثقافية متنوعة (55) (56) (57) (58) (59) (60) (61) .

والعمل اعداد وإخراج حكيم حرب، تمثيل : روند الصالحي، عمران العنوز، قيس حكيم،

 وحكيم حرب .

*جنونستان

وفي عام 2018 كانت قفزتنا الأكبر باتجاه المسرح الكوميدي الشعبي والجماهيري، فقمنا

 بكتابة وإخراج مسرحية “جنونستان”، حيث تجري أحداث المسرحية في دولة افتراضية

 تسمى “جنونستان” لا تمت للواقع بصلة، بمعنى أنها لا تشير إلى زمان ومكان محددين، بل

 هي تختزل فساد العالم العربي من خلال هذه الدولة الافتراضية، مؤكدين على أن أكبر حالات

 الفساد موجودة في عالمنا العربي، وأن المحاربة الحقيقية لهذا الفساد لا تكون إلا من خلال

 الارتقاء بثقافة ووعي الشعوب . ولا تعبر المسرحية عن شكل من أشكال الفساد والديكتاتورية

 التقليديين، بل هي تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، انها تتحدث عن تلك الدكتاتورية القابعة في

 داخل كل منا، وذاك الفساد الذي يعشعش في النفوس والعقول، فكل منا مشروع فاسد

 ودكتاتور إلى أن تسنح له الفرصة للتعبير عن ذلك، وتشير المسرحية إلى أن الخلاص

 الحقيقي لا يكون بالتخلص من شخص الفاسد أو الدكتاتور فقط، فكلاهما قادر على التناسل

 عبر أجيال من الفاسدين والدكتاتوريين لاحقاً، فكثير من حالات الفساد والدكتاتورية في عالمنا

 العربي لم تنتهي بالإطاحة برموزها خلال ثورات الربيع العربي، بل على العكس، فإنها كانت

 أحياناً تولد دكتاتوريين أكثر تعسفاً، وفاسدين أكثر فساداً، فالمسألة أخلاقية قبل كل شيء، ومن

 الأجدى محاربتها من دواخلنا قبل كل شيء، وذلك للقضاء على ثقافة الفساد، والقضاء على

 الفكر القمعي الذي يختفي ما وراء الأقنعة التي نرتديها نحن البشر، أقنعة التحضر والمدنية،

 وعكس ذلك فأن كل ما نقوم به من ثورات وربيع عربي وغيرها لن يكون مجدياً ما دامت

 ثقافة الفساد وفكر الدكتاتورية مزروعان في دواخلنا وغير قادرين على استئصالهما بالعلم

 والثقافة والمعرفة ومن خلال الارتقاء بالوعي وبالذائقة . وقدم العرض على شكل فرجة

 مسرحية وظفت أغاني “الشيخ إمام” بما يتسق والخطاب الفكري والجمالي للعرض . 

وقد اقترحت المسرحية نوعاً من الكوميديا الراقية التي تخاطب العقل وتحاول أن تجد حلاً

 لمشكلة علاقة الجمهور بالمسرح، من خلال عرض مسرحي كوميدي غنائي ينشد تحقيق

 المعادلة الصعبة، بأن يكون صالحاً للنخبة وللعروض الجماهيرية طويلة الأمد، وربما أن

 سبب ذلك هو أننا نبحث عن مسرح حي ومؤثر في الناس على اختلاف ثقافاتهم، ولكون

 المواطن العربي اليوم لم يعد يرى في التراجيديا تعبيراً حقيقياً عن واقعه، بل هو يرى أن

 الواقع الذي نعيشه اليوم لا يمكن التعبير عنه إلا بالسخرية . وكانت سعادتنا أكبر بما حققه

 العرض من انتشار جماهيري واسع، ومن استمرار عرضه لمدة عام كامل، ولعل أفضل

 عروضه كانت تلك التي قدمت في “المدرج الروماني” وسط العاصمة عمان، وحقق حضوراً

 جماهيرياً واسعاً زاد عن ثلاثة آلاف متفرج للعرض الواحد . وهكذا بدأنا نلمس أننا نغادر

 منطقة المسرح النخبوي ومسرح المهرجانات ذات الحضور الجماهيري المحدود، باتجاه

 مسرح الناس الذي كنا نبحث عنه، وعلى الرغم من صدمة البعض من هذا التحول من

 الأسطوري إلى الواقعي ومن التراجيدي إلى الكوميدي، إلا أننا كنا في غاية السعادة لكوننا

 نغامر لنقتحم منطقة جديدة في المسرح لم ندخلها سابقاً، ولأننا لا نكرر أنفسنا، ونتحلى

 بالصدق مع ذواتنا ومع جمهورنا . وقد عمل في مسرحية جنونستان عدد كبير من الفنانين

والذين لازالوا يقدمون عروضها حتى اليوم وهم الموجودون معنا اليوم وأذكر منهم :

عمران العنوز، نهى سمارة، هاني الخالدي، قمر بدوان، قيس حكيم، شام الدبس، كامل

 الشاويش، فادي شطناوي، عبد الحليم أبو حلتم، تيسير محمد علي، سيف الخلايلة، ماهر

جريان وحكيم حرب . (62) (63) (64) (65) (66) (67) (68) (69) (70) (71)

*المختبر المسرحي الجوال

بدايةً يجب الإشارة إلى أن هذا المشروع من مشاريع وزارة الثقافة، وقد كنت صاحب المبادرة

 والفكرة فيه خلال عملي داخل الوزارة، وقد تلقفت الفكرة آن ذاك وزيرة الثقافة السابقة

 الدكتورة لانا مامكغ وهيأت لها كل سبل الدعم والرعاية والنجاح، وبعد توقف محدود أعادت

 إحيائها وزيرة الثقافة السابقة بسمة النسور ووسعت من دائرة انتشارها وشمولها لمتدربين من

 مختلف الأعمار وفي كافة محافظات الأردن، ثم جاء وزير الثقافة الحالي الدكتور محمد أبو

 رمان ليضيف للفكرة بعداً جديداً يضمن استدامتها ويزيد من مخرجاتها وتغذيتها الراجعة،

 وذلك من حلال تسكينها لفترة تصل إلى سنة أو سنتين في كل محافظة وعلى شكل مركز

 لتدريب الفنون، يكون غير منفصل عن معهد الفنون الجميلة التابع للوزارة داخل العاصمة

 عمان، ولا تقتصر نشاطاته وورشه التدريبية على المسرح فقط، بل تشمل أيضاً الموسيقى

 والفن التشكيلي، وكثيراً ما كنت أستعين بعناصر من فرقة مسرح الرحالة للمساهمة فنياً

 وإبداعياً في ورشه المسرحية، بهدف تجسير الفجوة بين الهواة والفنانين المحترفين .

وقد كان الدافع الأساس ما وراء تأسيس المختبر المسرحي الجوال، هو أننا كمسرحيين

 وكوزارة ثقافة بدأنا نلحظ تمركز المسرح في العاصمة عمان، وحرمان باقي المحافظات

 والقرى والبوادي والمخيمات والمناطق الأقل حظاً من فن المسرح، وعند زيارتنا لها وجدنا

 أن الناس هناك لا يمتلكون الثقافة الكافية بفن المسرح وطرق تذوقه ومتابعته، فلمعت في

 الرأس فكرة العمل على إقامة ورش تدريبية لهم، إذا لم تنجح في خلق جيل جديد من

 المسرحيين القادرين على مزاولة فن المسرح في مناطقهم، فإنها ستنجح دون شك في خلق

 جمهور مسرحي قادر على تذوق فن المسرح، وستنجح أيضاً في استخدام الدراما في معالجة

 قضاياهم وتخليصهم من بعض الآفات الاجتماعية التي تمثل خطراً حقيقياً على المجتمع، بدلاً

 من تركهم عرضة للسلوك العدائي ولتجار المخدرات ومروجي الفكر الظلامي  .

وبناءً عليه عملنا في الفترة من عام 2014 وحتى عام 2019 مع وزارة الثقافة على مشروع

 المختبر المسرحي الجوال الذي يتقاطع جوهرياً مع تجربة الرحالة، حيث قمنا بعمل جولات

 على كافة مدن ومحافظات وقرى وبوادي ومخيمات الأردن، حتى أننا دخلنا السجون وأنجزنا

 تجارب مسرحية مع عناصر من خارج الوسط  الفني ليس لديها أي تجربة مسرحية سابقة،

 سوى فطرتها وعاطفتها وبراءتها، التي جذبتنا لاستنباط كم هائل من الحالات المسرحية

 النابعة من آلامهم وآمالهم اليومية، والتي كنا نحييها معهم كل يوم في الحارات الشعبية ، وفي

 القرى تحت الشجر ، أو في البوادي وسط الصحاري ، أو في داخل السجون ذاتها .

حيث عمل معنا في هذه التجربة الثرية، عدد كبير من النساء والرجال المحكوم عليهم بأحكام

 قضائية متنوعة يصل بعضها الى المؤبد والإعدام، ومع ذلك كان العمل معهم مدهشاً وساحراً

ويوازي كل ما أنجزناه في المسرح على مدى أكثر من ربع قرن . فقد دلنا إلى ذلك النوع

الجديد من المسرح والذي كنا نبحث عنه ، مسرح يسبق الدراما التقليدية، مسرح لا يقدس

 النص ولا يدنسه، بل هو يخلق نصه الخاص من حالات الارتجال العفوي والكتابة الركحية

 والتداعي النفسي الحر خلال التمارين، ومن عواطف الناس البسطاء وأغانيهم وأشعارهم

وأهازيجهم وقصصهم اليومية التي لا تنتهي، والتي وجدنا فيها ضالتنا المنشودة، وجدنا

 مسرح عفوي وتلقائي يستند إلى العاطفة الهائلة والمكتنزة في قلوب الجماهير، وإلى الطاقة

 العفوية الخلاقة الموجودة لدى الناس البسطاء في الأماكن الأقل حظاً، والذين كنا لا نعرفهم

وبعيداً عنهم طوال عملنا في المسرح على مدى ربع قرن وأكثر .

وهكذا بدأنا رحلة البحث عن مسرح لا يستند إلى نص يقدسه أو يدنسه، بل يستند إلى العاطفة

 كمحرك أساسي للتأثير في الشعوب العربية، التي ندرك تاريخياً أنها شعوب عاطفية بالفطرة،

 ولهذا يحتل الدين والقصص والقصائد العاطفية مساحة كبيرة في وجدانها وثقافتها، البحث عن

 مسرح وإن كان يسبق الدراما بمعناها التقليدي إلا أنه يستقي  مادته من خارج النص المكتوب

 ” سواء كان نصاً عربياً أو أجنبياً” لينهل بشكل عفوي وتلقائي من عواطف الناس في الحياة

 اليومية، وليشتبك بشكل تفاعلي ووجداني مع الجمهور العربي -المفعم بالوجدانيات- في

 الشارع والمقهى والسجن..الخ .

وأعتقد أن هذا النوع من المسرح الذي نبحث عنه، والقادر على أن يعيش ويستمر داخل

 البيئة العربية دون أي حالة نفور أو عزلة أو تصادم، هو “مسرح ما قبل الدراما”،

مسرح ما قبل إضافة “ثسبس” للممثل الأول إلى الجوقة الإغريقية القديمة، وما قبل نصوص

 “اسخيليوس” و “سوفوكليس” ونظريات “أرسطو” ، مسرح يلتحم مع الناس بعفوية وبساطة

 وتلقائية تسبق الدراما واللغة المنطوقة والنص المقدس، ويتجه فورا صوب عاطفة الجمهور

 العفوية التي هي مركز التأثر والتأثير في الإنسان العربي، حيث العودة الى براءة الإنسان

 وفطرته الأولى .

 فعلى مدار خمس سنوات قمنا بعمل جولات ميدانية لعدد كبير من المناطق النائية والأقل حظاً

داخل المحافظات والقرى والبوادي والمخيمات، التقينا خلالها بعدد كبير من الأشخاص الذين

 تعرضوا لظروف اجتماعية واقتصادية ونفسية في غاية التعقيد، فتركت آثارها السلبية عليهم

 وتركتهم عرضة لليأس والإحباط والعنف والجريمة والتطرف والمخدرات، فعملنا تجاربنا

 معهم بشكل يومي، متعايشين مع الظروف القاسية والخطرة التي يعيشونها، بهدف الوصول

 الى غايتنا المنشودة، التي ترمي للوصول إلى مسرح مختلف ومن نوع آخر، مسرح حي

 وغيرمحنط وغير محكوم بقواعد ونظريات ثابتة، وغير مرهون لتقنيات حديثة وسينوغرافيا

مبهرة وأماكن عروض مغلقة ومحددة، فهذا النوع من المسرح أقمناه في المقاهي والحدائق

والساحات العامة وعلى الشواطئ وداخل السجون، وتحول الجمهور فيه من مجرد مشاهد

للحدث إلى مشارك في خلق الحالة، وهكذا وجدنا أنفسنا نعود إلى بدايات تأسيس مسرح

الرحالة، ونتحول لا شعورياً من الأسطوري إلى الواقعي، ومن التراجيدي إلى الكوميدي

والكاريكاتيري الساخر، فتغير نهجنا من المأساة إلى الملهاة، ومن الأسطورة إلى الواقع، ومن

 الصورة إلى مسرح المشاركة والتفاعل الحي مع الجمهور، ومن القضايا الفلسفية والذهنية إلى

 قضايا رجل الشارع، ومن مسرح ما بعد الدراما إلى مسرح ما قبل الدراما .

ولا يعتبر هذا تنكراً لأعمال الرحالة السابقة ولا هو إشارة منا بأننا كنا على خطأ، بل أن

 الأعمال السابقة للرحالة كانت مهمة وضرورية في حينها، وأنها كانت لا بد منها لكي نصل

إلى ما وصلنا اليه اليوم، لكننا نمتلك الشجاعة الكافية لنقول أن علاقتنا بتلك الأعمال قد انتهت

وأننا لن نكرر ذواتنا، بل أننا بصدد البحث عن مسرح جديد ومختلف ومن نوع آخر، وقد

يكون في ذلك خطورة ومغامرة بالنسبة لنا، وصدمة للجمهور الذي اعتاد على مشاهدة

أساطيرنا وفانتازيتنا وصورنا المسرحية المغرقة المغرقة بسينوغرافيتها، ولكن فليكن، أليس

نهجنا منذ البداية هو الترحال والمغامرة وغزو المجهول داخل هذا الفن العظيم ؟ اذن فلنتابع

هذا النهج بالبحث عما هو جديد وأكثر صدقاً مع ذواتنا ومع الجمهور الذي هو أساس عملنا

في المسرح ومن واجبنا استقطابه وعدم جعله ينفر من مسارحنا، فمسرح بلا جمهور لا يتعدى

كونه شعوذة ومصح عقلي ورقص في الظلام . 

فمسرح المقهى الذي عدنا لإحيائه من جديد فقدمنا آخر عملين لنا ” ليلة سقوط طيبة ” و       

“جنونستان ” ضمن إطاره، يمثل بالنسبة لنا نموذج لمسرح ما قبل اكتشاف الدراما في العالم

 العربي، حيث حكواتي المقهى والفرق الجوالة التي كانت تجوب القرى والبوادي، حاملةً معها

 صندوق العجب، والتي هي قرين للمختبر المسرحي الجوال الذي نعمل عليه اليوم . أما

مسرح السجون الذي ننتمي اليه اليوم بكل جوارحنا، فهو عبارة عن حالة  تداعي حر كان

 المجرمون فيها تاريخياً – من قبل اكتشاف الدراما – يعيدون تمثيل جرائمهم أملاً في

 الحصول على التطهير، بمساعدة مرشدين نفسيين يستندون في عملهم إلى ما يسمى ب

 “السايكودراما” ، وهو ما طبقه “يعقوب مورينو” على مرضاه النفسيين في عيادته بعيداً عن

 خشبات المسارح  (72) (73) ((74) .

ولمزيد من التفاصيل التي تلقي الضوء على هذه التجارب الثلاث التي ننتمي اليها اليوم فإننا

نقدم هذه الإضافة التوضيحية والتوثيقية على النحو التالي :

أولاً : تجربتنا في المختبر المسرحي الجوَال داخل المناطق الأقل حظاً

كنا نقضي فترة من شهر الى ثلاثة شهور في كل محافظة، حسب درجة الإقبال والتفاعل،

والغريب في الأمر أن أكثر المناطق خطراً وبؤساً، كانت بالنسبة لنا هي أكثر المناطق متعة،

فعلى الرغم من التحذيرات التي وجهت لنا بعدم الدخول الى بعض المحافظات بسبب حالة

 الإنفلات الأمني فيها، وغياب الرقابة اليومية، وسيطرة المتطرفين وتجار

المخدرات على معظم نواحي الحياة فيها، إلا أننا أمضينا فيها أجمل ثلاثة شهور، وكثيراً

ما كنا نجري تدريباتنا المسرحية على صوت تبادل اطلاق الرصاص والمطاردات العنيفة

والهتافات العدائية ومحاولات اقتحام قاعة التدريب .

 فما أن يتم اطفاء القاعة وإشعال الشموع وتشغيل الموسيقى المؤثرة، حتى تبدأ الأرواح

 بالاسترخاء، ويبدأ كل مشارك بالتداعي الحر والخلاق، مطلقين العنان لخيالهم وأحلامهم،

محطمين هالة الخوف ومنتصرين على الهواجس التي تسكنهم، ويتحول المكان إلى سلسلة من

 التداعيات ، فتسمع صرخاتهم ونداءاتهم وبوحهم الحر والصريح والذي يمارسونه لأول مرة،

 وينجح ذلك في ايقاظ المارد القابع داخل كل منهم، وتحريرهم من القيود التي كانت تكبل

 أرواحهم، وفي اليوم التالي كنا نحول ذلك إلى عرض مسرحي يشاهده الجمهور، فنقدم عدد

من الحالات التي تفجرت بعفوية، دون نص ودون حبكة ودون بناء درامي .

مرةَ أؤكد على أن مشروع المختبر المسرحي الجوَال هو أحد مشاريع وزارة الثقافة الأردنية

 ويقام بدعم منها وبإدارة وتدريب مني شخصياً منذ عام 2014 وحتى الآن . فكل الشكر

 والتقدير لوزارة الثقافة على هذا المشروع الريادي الناجح والذي يضاف لمشاريعها الإبداعية

 الأخرى (75) (76) (77) .

ثانياً : تجربتنا في مسرح المقهى

ارتكزت تجربة مسرح المقهى الى الارتجال العفوي والتلقائي الذي لا يستند إلى نص

 مسرحي مكتوب ولا إلى حكاية أو بناء درامي . فكان الممثلون يجلسون بعفوية بين الجمهور

الذي لم يكن يعلم أنهم على وشك التمثيل، ثم فجأة يبدأ الممثلون بافتعال حالة تأخذ بالتطور

حتى تتحول إلى عرض مسرحي ارتجالي يتحول فيه الجمهور من مشاهد للحدث إلى مشارك

في صناعة الحدث، حيث كان يصل الأمر مرحلة أن يقف أحد زبائن المقهى ليمثل أو يغني

أو أن ينقسم جمهور المقهى إلى قسمين، بين مؤيد ومعارض . وهنا من الضروري الإشارة

إلى أننا كنا نقدم نوعين من المسرح داخل المقهى، الأول يستند إلى عرض مسرحيات جاهزة

وسبق وأن عرضت على مسارح تقليدية وشاركت في مهرجانات، وهذا النوع يسمى “مسرح

في المقهى” وليس “مسرح مقهى”، أما النوع الثاني الذي كنا نقدمه فهو عبارة عن مشاهد

ارتجالية بين الممثلين والجمهور تكون وليدة اللحظة ولم تكتب كنص ولم يسبق لها أن عرضت

سابقاً، وتتطور وتنمو حسب تفاعل الجمهور معها، وهذا النوع يسمى “مسرح المقهى” لأنه

 نابع من بيئة المقهى ذاتها، والجمهور فيه مشارك وصانع للحدث وليس مجرد مشاهد .

(78) (79) .

ثالثاً : تجربتنا في مسرح السجون 

بدايةً نعترف أن هذه التجربة تعتبر من أهم وأثمن التجارب التي عشناها على المستويين :

الإنساني والمسرحي، بل وأكثرها دهشة على الإطلاق، وذلك نظراً لما تحتويه من ثراء فني

وإنساني، ومعايشة لواقع حي وملموس، يزخر بالمواقف والحالات الحقيقية وغير المفتعلة،

والتجارب والقصص الخام غير المستهلكة وغير المكتشفة، مؤكداً على أن تجربة مسرح

 السجون كانت أيضاً من ضمن مشاريع وزارة الثقافة وأقيمت بدعم ورعاية وتنظيم منها،

وهي غير منفصلة عن تجربة المختبر المسرحي الجوال، بل هي أحد أذرعه وتجلياته . وعلى

 الرغم من أهمية التجربة داخل كافة السجون التي قمت بالعمل داخلها، إلا أن الدهشة الحقيقية

 والمعايشة العميقة للحالة كانت داخل سجن النساء، ذلك العالم الغامض المسكون بالأسرار

 والرعب والخطر إلى حد الموت .

كانت سيارة السجن تأخذنا يومياً إلى وسط الصحراء، حيث يقبع سجن “الجويدة” للنساء،

وعندما كنا ندخل إلى السجن ونلتقي السجينات ونتحاور مع السجانات، كنا نشعر بحالة غريبة

 تتجاوز الدراما وما بعد الدراما، وتتجاوز الصورة والأسطورة، فقد بدأنا بخمس فتيات فقط

وأخذ العدد بالارتفاع الى أن وصل بعد أسبوع إلى ستين فتاة، من مختلف الجرائم والأحكام،

 والتي كان من بينها الإعدام . ويا لدهشتنا عندما كنت أكتشفنا حالات ابداعية نادرة من بين

 المحكومين بالإعدام سواء في سجن النساء أو الرجال .

إن هذا الثراء الإنساني والدرامي الموجود داخل السجن فتح شهيتنا المسرحية وفجر طاقتنا

 الإبداعية خلال العمل معهن، مما جعل كافة السجينات القابعات داخل السجن على وشك

 الانضمام للحالة الغريبة التي غزت السجن، لولا أن القاعة لم تعد تستوعب . وكان سر ذلك

  يكمن في أنهن وجدن في الحالة نوع من الخلاص، فالحالة كانت بمثابة تذكرة سفر

لأرواحهن التي حلقت خارج حدود السجن، فقد كانت أرواحهن متعبة ومثقلة بالهموم وكن

يصدرن أنيناً موجعاً، لا زال صداه يتردد في آذاننا، كن مسكونات بالفزع والشعور وبالتهميش

 والاضطهاد وتتملكهن مشاعر كراهية بامكانها احراق العالم برمته، هذا العالم الذي لم يكن

منصفاً ورمى بالكثير منهن على قارعة الطريق كلقيطات، مما دفعهن الى عالم الجريمة

والانحراف . ومع ذلك كن يمتلكن فرحاً حقيقياً وقت اللزوم، وبراءة نادرة الوجود، وقدرة

مدهشة على التمثيل والغناء والكوميديا والإضحاك . وكثيراً ما كنا نتسائل في دواخلنا : “من

أين لهن بهذه القدرة على الفرح وحب الحياة” وكانت تأتينا الإجابة من داخلنا أيضاً : “أن في

حياة كل جاني لحظات بريئة .. وأن الجاني قد يكون هو الضحية” ، ومن هنا بدأنا عملنا

 معهن، معتبرين اياهن ضحايا ولسن مذنبات، فتركز العمل على ذلك البصيص من الضوء

والأمل القابع في داخل كل منهن، وبذل الجهد لتعزيز المناطق الصغيرة المشعة في داخل كل

منهن، مما دفعهن – بمنتهى التلقائية- لإعادة تجسيد جرائمهن مع رغبة كبيرة بالانعتاق .

وأعتقد أنننا قد نجحنا -على مدى ستة شهور من العمل معهن- في أن نستنبط حالات ابداعية

خلاقة تتجاوزالدراما بمعناها التقليدي والتلقيني .

صحيح أننا بحاجة لنوع جديد من المسرح يتجاوز السائد والمألوف، مسرح يسبق أو يتجاوز

المسرح الدرامي بمعناه التقليدي، لكن على هذا المسرح أن يمتلك تلك القدرة على التفاعل مع

 أرواح البشر بشكل عفوي وبسيط وعميق في نفس الوقت، فكما يقول ” غسان كنفاني” :

“ليس بالضرورة أن تكون الأشياء العميقة معقدة ولا أن تكون الأشياء البسيطة ساذجة”

 فما يجب البحث عنه اليوم هو مسرح يقول الأشياء العميقة بمنتهى البساطة .

(80) (81) (82) (83)

رئيس فرقة مسرح الرحالة

                            المخرج المسرحي حكيم حرب

17/9/2019        

*المراجع :

.

1.صحافة اليرموك 27/12/1986 العدد 102 المجلد الخامس وكتاب المختبرات المسرحية ونظائرها في تدريب الممثل د. عبدالرحمن عرنوس

2. صحيفة الجامعة / اليرموك 9/5/1987

3. صحيفة الجمهورية / مصر 17/1/1988

4.صحيفة المسار / المصرية 18 / 1 / 1988

5. صحيفة الوفد / المصرية 4 /1 /1988

6. صحيفة الدستور / الأردنية 12 / 12 / 1990

7. كتاب ( نحو مسرح فقير) تأليف جيرزي جروتوفسكي وكتاب (فن المثل ) تأليف فسفولد ميير خولد

8. مقال مصطفى سلامة في الدستور حول مسرحية أغراب فصيلة على طريق الموت 21 /2 /1991

9.مقال الناقد جمال عياد في صحيفة الرأي الأردنية على هامش عرض مسرحية أغراب 1 /3 /1991

10. برنامج فعاليات مقهى الفينيق  صحيفة الدستور 2/12/1991 + مقال محمود اسماعيل بدر في صحيفة الرأي (في بلادنا تجربة مسرحية غنية) + مقال في صحيفة صوت الشعب (عبد الرحيم غنام ) 17 /1 /1993 مسرح الرحالة ومسرح المقهى + مقال في صحيفة شيحان ( مسرح المقهى إضافة جديدة لمسرحنا 20 / 2 / 1993 + مقال محمد مشارقة في صحيفة شيحان 13 /3 /1993 + مقال سلطان الحطاب في صحيفة الرأي ( مسرح المقهى تجربة جديرة بالدعم ) 19 / 3 / 1993 عدد 8257

11. خبر في صحيفة الدستور الأردنية بتاريخ 22/ 4 / 1991 ( مسرحية أغراب تعرض في الهواء الطلق ) + كتاب استلهام التاريخ في      المسرح الأردني/مرحلة التسعينات/ محمود اسماعيل بدر

12. مقال الناقد مصطفى صالح في صحيفة الدستور الأردنية (عرس الأعراس وحمام الطريفي) 29/6 /1991

13. مقال الفنان علي عليان في صحيفة الدستور الأردنية ( تع تفرج يا حمام على عرس الدم يا سلام ) 2 / 7 / 1991

14.خبر في جريدة الدستور الأردنية ( جواد الأسدي يقدم الكنز والبحر ) 23 /10 /1991

15. مقال دعوني كرومي في نشرة مهرجان أيام قرطاج المسرحية ( المساء الأخير ) 28 / 10 /1991

16. مقال في جريدة الدستور بعنوان ( الفوانيس المسرحية تضيء من جديد ) 11 / 12 / 1991

17. مقال في جريدة الدستور الأردنية ( جلجامش مشروع عرض مسرحي متميز ) 23/ 12 / 1991

18.مقال محمود اسماعيل بدر في الرأي ( المتمردة و الأراجوز أول عروض مهرجان الشباب المسرحي ) 6 / 3 / 1992 + كتاب          استلهام التاريخ في المسرح الأردني/ محمود اسماعيل بدر

19.  أ) مقال محمود اسماعيل بدر في الرأي ( المتمردة والأراجوز و عرض احترافي ) 20/3 / 1992

     ب) مقال حسان ابو غنيمة في الرأي ( المسرح التجريبي والبحث عن المضمون الواقعي ) 15 / 4 / 1992

     ج) كتاب في الجهود المسرحية/ عبد اللطيف شما/ سلسلة المسرح في الأردن2

20. خبر في جريدة الملاعب ( الملكة نور ترعى حفل توزيع الجوائز و تكريم الرواد ) 31 / 3 / 1992

21. خبر في جريدة الأهرام / المصرية ( المتمردة والأراجوز في القاهرة ) 4 / 5 / 1992

22. خبر في جريدة الدستور ( فوز ممثلة أردنية بجائزة أفضل دور ثاني في مهرجان القاهرة ) 13/ 9 /1992

23. مقال مجدي فرج ( المتمردة والأراجوز و وجهة نظر ناقد مصري ) الرأي 25 / 9 / 1992

24 أ . كتاب ( المسرح الملحمي ) لبرتولد بريخت

25 أ. كتاب ( المسرح التجريبي من ستانلافسكي الى اليوم ) لجيمس روس ايفانز

24 ب. مقال جمال عياد في الرأي ( الرحالة والاتجاه نحو الاصالة ) 24 / 3 / 1993

25 ب. مقال في جريدة الأسواق( هاملت يصلب من جديد ) 18 / 12 /1993

26.جريدة الرأي ( هاملت يصلب من جديد لحكيم حرب ) 11/ 1 /1994

27.جمال عياد / الرأي , المخبر المسرحي العربي ( الرحالة ) يصلب هاملت من جديد

28. جريدة العراق ( ثمة عروض طرحت أسئلة كبيرة ) فيصل ابراهيم كاظم 9 / 3 / 1994

29.مجلة عمان ( هاملت الاردني تراجيديا الفعل والنكوص ) مجدي فرج 20 /10 /1994

30.جمال عياد / الرأي  ( ميديا الاغريقية بثوب معاصر ) 10 /3 / 1997

31.عبد الرحيم غانم – صوت الشعب – ( حكيم حرب طوع اسطورة ميديا الى فنتازيا ) 13-14/3/1997

32.العرب اليوم – ندوة تقييمية حول مسرحية ( ملهاة عازف كمان ) 19 / 11 / 1998

33. جريدة الدستور – حكيم حرب يقود شخوصه الى مصيرها المحتوم 28 / 8 / 1999

34.جريدة العرب اليوم ( مسرحية كوميديا حتى الموت رفض الموت و سؤال الحرية ) 29 / 10 / 2000

35.الدستور ( ندوة مسرحية كوميديا حتى  الموت ) 17 / 11 / 2000

36.العرب اليوم حسين جلعاد( المخرج حرب اقترح توليفة توازن بين الميثولوجي والواقعي ) 12 / 11 / 2001

37.الرأي ( ندوة تقييمية حول مكبث ) منال القبلاوي 15/11/2001 / +كتاب في الجهود المسرحية لعبد اللطيف شما/ كتاب استلهام           التاريخ لمحمود اسماعيل بدر

38.الرأي ( مكبث قراءة السؤال القادم ) د.صلاح القصب 7 / 1 /2001 العدد 11412/ + مقال بول شاؤول في جريدة المستقبل حول       عروض مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي/ عرض مكبث

39.الرأي جمال عياد( حكيم حرب يشغلني الوجود الانساني و الصراع مع الزمن ) 26/ 12 / 2004 العدد 12515+ كتاب المسرح        الأردني في مرايا النقد العربي لعواد علي

40.العرب اليوم محمود منير ( حكيم حرب يطلب المستحيل و ينال رضا الجمهور ) 9 / 12 / 2004

41.الرأي ( مأساة المهلهل تحيل الزير من بطل شعبي الى تراجيدي ) 9 / 12 / 2004 العدد 12489

42. الرأي ( نيرفانا حكيم حرب مصالحة بين فلسفتين ) جمال عياد 10 / 7 / 2009+ كتاب المسرح الأردني في مرايا النقد العربي          لعواد علي

43. الرأي الثقافي ( مقترحات اخراجية تدفع الشخوص الى التمرد ) جمال عياد 18 / 6 / 2004

44.الرأي – ابواب –  (نيرفانا تمزج بين روحانية الشرق و الغرب ) 22/6 / 2009

45.الرأي ( انطلاق عروض مسرحية نيرفانا ) 28 / 6 / 2009

46.الرأي ( الركح ) سميحة خريس 10 / 7 / 2009

47.مجلة افكار  العدد 360 بتاريخ كانون ثاني 2019– وزارة الثقافة الاردنية ( ملف انعكاسات الربيع العربي على المسرح ) اعداد د. غسان عبد الخالق اذار 2019 العدد 362  +  مجلة أفكار/ وزارة الثقافة الأردنية/ مقال حاتم السيد حول المشاركة الأردنية في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي     

48.المدينة نيوز ( عرض مسرحية عرائس فوق مسرح متوهج ) 26 / 11 / 2012

49.الراي ( حرب يعرض عرائس فوق مسرح متوهج ) حوار جمال عياد 12 / 11 / 2012

50. صحيفة الغد/ سوسن المكحل/ عرائس فوق مسرح متوهج / تشرين الثاني 2012

51.موقع الهيئة العربية للمسرح / اختتام مهرجان المسرح الاردني 21 / 11 / 2012

52.الرأي (عصابة دليلة والزيبق تشارك في مهرجان المسرح الاردني ) 13 /11 /2014

53.وزارة الثقافة ( عرض عصابة دليلة والزيبق في الزرقاء ) تشرين ثاني 2014

54.عصابة دليلة والزيبق صراع الواقع و الحلم  24/ 11/ 2014 + مجلة الفنون/ وزارة الثقافة/ العدد 160 كانون ثاني 2015 مقال         د.غسان عبد الخالق حول عصابة دليلة والزيبق بين الموروث وما بعد الحداثة

55. الغد ( ليلة سقوط طيبة مسرحية لحكيم حرب عن جدليات الواقع ) رشا سلامة تشرين ثاني 2017

56.الرأي (ليلة سقوط طيبة على مسرح الشمس ) 14 / 5 /2018

57.الرأي ( ليلة سقوط طيبة تسقط اسطورة انتيجون على الراهن العربي ) مجدي التل

58. جريدة الحياة (حكيم حرب يقدم ليلة سقوط طيبة ) 23/1/2017

59.العربي الجديد ( اوديب في المقهى )غسان مفاضلة 20 /3 /2017

60.العربي الجديد ( وقفة مع حكيم حرب ) حوار محمود منير 6 / 5 / 2018

61.وكالة الانباء الاردنية ( المخرج حكيم حرب يعيد احياء مسرح المقهى ) مجدي التل 23 / 1 / 2017

62.وكالة الانباء الاردنية ( عرض جنونستان في الزرقاء ) 24 / 10 / 2018

63.الدستور ( جنونستان خارج التنافس ) حسام عطية  7/11/2018

64.الدستور ( الرحالة تقدم عرضها المتميز جنونستان بملتقى البهجة ) 24/ 6 /2019

65. موقعوزارة الثقافة ( عرض جنونستان في ملتقى البهجة والفرجة )  24 / 6 / 2019

66. موقع مبتدأ ( مخرج جنونستان المسرجية عمل افتراضي ) 13 / 1 / 2019

67.موقع مونتي كارلو – بدون قناع ( المسرحي الاردني حكيم حرب : المسرح حالة من الدهشة) 12 / 8 / 2019

68.الشاهد ( اربعة عروض مسرحية اردنية بانطلاق مهرجان المسرح العربي ) 9 / 1 / 2019

 69.رصيف ( حكيم حرب : الواقع العربي بات تراجيديا اكثر مما يحدث على الخشبة ) حسا عطية 26 /1 / 2019

70.الأهرام / المصرية ( مسرح السلام يستقبل المسرحية الاردنية جنونستان ) 23 / …..

71.الهيئة العربية للمسرح ( جنونستان بين حكيم حرب ونزار قباني ) نور الهدى عبد المنعم 2 / 2 / 2019

72.الدستور ( المخبر المسرحي الجوال مشروع ابداعي يرتقي بالذائقة و يحتفي بالمواهب المتميزة ) خالد سامح 28/2/2019

73.الدستور ( عودة مشروع المختبر المسرحي الجوال ) 10 / 9 /2019

74.منارة الثقافة ( مشروع المختبر المسرحي الجوال ) 1 / 4 / 2017

75.الرأي ( المختبر المسرحي الجوال يخرج الدورة العشرين في مأدبا ) اجمد الطراونة 7 /3 / 2019

76.وكالة الانباء ( مشروع المختبر المسرحي الجوال في اربد ) 11 / 6 / 2019

77.الغد (تخريج الدفعة 22 من المشاركين في مشروع المختبر المسرحي الجوال بالطفيلة ) نيسان 2018

78.الرأي ( المخرج حكيم حرب يعيد احياء مسرح المقهى ) مجدي التل 25 /1 /2017

79.العربي الجديد ( حكيم حرب : اوديب في المقهى ) 20 /3/2017

80.الغد (حكيم حرب ومختبره المسرحي في السجون ) زليخة ابو ريشة 2014

81. الدستور ( المختبر المسرحي الجوال فكرة لتنمية الثقافة المسرحية بين الشبان ) خالد سامح 15 /3 /2016

82.جفرا نيوز ( محكومات بالاعدام يتدربن على المسرح في الجويدة ) 3 / 1 / 2015

83. موقع خبرني (مخرج أردني يطالب باستبدال مقصلة الاعدام بخشبة السرح ) 3/1/2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي