الثلاثاء. فبراير 18th, 2020

الناقد عصام أبو القاسم يكتب : تساؤلات حول المسرح القومى السودانى

هل سأبدو فعلاً كمن يتكلم عن جريمة قطع الأشجار غافلاً، أو متغافلاً، عن جرائم أكثر تعقيداً، حين أتكلم عن ضعف حضور أو تأثير وزارة الثقافة (والإعلام) بالحكومة الانتقالية، في المشهد الثقافي، على الأقل مقارنةً بدورها في المجال الإعلامي.

أعرف أن الأوضاع الاقتصادية في أسوأ أحوالها، ومن كل الوجوه، وثمة تحديات كبرى متعلقة بالأمن الداخلي، وببرنامج السلام، إلخ. لكنني أعرف أن لكل هذه المشكلات وزاراتها المباشرة ورجالها المبشرين بالجنة ـ لن أقول ” ليس بالخبز وحده يَحيْا الإنسان..”، ولكنني أعتقد أن في وسع الوزارة القيام بدورها في تأسيس وتأثيث وتفعيل الساحة الثقافية من دون أن يظهرها ذلك كمن ينظم سباقاً للحمير بينما جيوش العدو تدك حصون المدينة؟

منذ أغسطس 2018 لغاية اليوم.. يوشك العام الأول في عمر دولة الفترة الانتقالية أن يكمل نصفه تقريباً، فما الذي قدمته الوزارة لمجال ثقافي مثل: المسرح؟ ما الذي بادرت به الوزارة لتبدو خليقة بــ (ثورة الوعي)، و(الثورة القصيدة)، إلخ؟

معلوم، ان هذا القطاع المهم يضم الآلاف من الفنانين في اختصاصات إبداعية نوعية كالإخراج والتمثيل، والكتابة، والسينوغرافيا، والانتاج، والنقد، إلخ؟ فما المؤتمرات أو الاتفاقات والبرتوكولات، ومسالك التطوير والدعم التي قدمها وزير وزارة الثقافة أو وكيلها لحد الان .. ما صورة العمل الثقافي ككل والمسرح على وجه الخصوص في الفترة الانتقالية.. أهي وزارة ..والسلام؟

عند مجيء نظام الإنقاذ الانقلابي 1989، أُوقف الدعم الموجه للثقافة من خزينة الدولة، باعتبار أن البلاد تعيش “حالة حرب”، أو لأن الثقافة ليست من “الأولويات”، وحين تولى أمين حسن عمر شأن الوزارة (وكانت تسمى وزارة الثقافة والإعلام ) (2002م)، قال إن (فرنسا عاصمة الثقافة لا تنتج الثقافة) وبهذا المنطق، أعلن صراحةً أن الوزارة لن تدعم الأنشطة الثقافية.

في السنوات اللاحقة تحول الدعم المستحق والواجب دفعه لقطاع الثقافة بمختلف مجالاته إلى “هبات” و” منح” لشراء الذمم والولاءات، ومكافأة الصحوبيات، وتجميل القعدات.. وهو يأتي أو لا يأتي حسب مزاج الوزير أو الوكيل.

ترى ما زالت الوزارة ـ حتى في هذا العهد ـ تعمل بفلسفة أمين حسن عمر.. الذي يجهل كم تنفق فرنسا من الأموال سنوياً لأجل تنشيط المجال المسرحي لا على مستوى خارطتها بل في كل مراكزها الثقافية في كل أنحاء العالم.

لقد انقطع المسار الحيوي للمسرح السوداني الذي كان قد تشكل في بداية المواسم المسرحية نهاية الستينيات وصولاً إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي، وتدهور المجال تدهوراً مريعاً طيلة العقود الثلاثة الماضية؛ فالمسرح السوداني اليوم بلا فرق ولا أنشطة ولا منشورات، والمئات من صنّاعه، ومن خريجي كلياته ومعاهده (الحكومية) بلا عمل، وقلة منهم ربحت بعض الوظائف ” التافهة” في الراديو والتلفزيون، وارتضت رواتبها الضئيلة، وراحت تعمل في ظروف مهنية أقلّ ما يمكن أن تصف بها أنها ” معادية”..

على أن كل هذا كوم.. وحقيقة أن المجال المسرحي ـ حتى في العاصمة ـ يفتقر للبنيات التحتية التي يمكن أن ينجز فيها الفعل المسرحي كوم ثاني؛ فثمة المسرح القومي وهو تحول إلى دار عرض بائسة أكثر من كونه مؤسسة لصناعة الفعل المسرحي والتخطيط له، وصالته مكشوفة ومتأثرة بحالة الطقس.. وحالته الهيكيلة مهللة وهشة، وهو بلا أجهزة إنارة أو صوت أو ورشة ديكور ومرافقه الحيوية “غير صالحة” .. وهناك مسرح الفنون الشعبية وهو الاخر في غاية البؤس .. عدا ذلك فحدث ولا حرج.. لا استديوهات ولا مراكز إعلامية أو توثيقية .. ولا شيء؟

أفلا يبدو متأخراً جداً ان الوزارة لم تطرح لغاية اليوم أية استراتيجية أو رؤية للنهوض بالساحة الثقافية بشكل عام، والمسرح بشكل خاص، اما أن علينا أن ننتظر أيضا تشكيل المجلس التشريعي .. وانتخاب أو تعيين الولاة؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي