الأثنين. سبتمبر 23rd, 2019

الصراع في مسرحية – بيجماليون – توفيق الحكيم

هذا العمل الثالث الذي بخوض فيه توفيق الحكيم الصراع/الخلف بين معسكرين/جهتين، فنجد في هذه امسرحية الصراع بين الآلهة من جهة وبين البشر من جهة أخرى ونجد ايضا الصراع بين الفن وبين الحياة، فالكاتب تعمد أن يكون حياديا، ولا يقف مع ايا من الطرفين، وهذا الحياد منح القارئ حق الاختيار والتفضيل بين وجهتي ألنظر وهذا الأمر يحسب الكاتب الذي لم ينحاز لأي جهة، وخيرنا فلم يحدد لنا الجهة الافضل.

رائد الحواري

هذا العمل الثالث الذي بخوض فيه توفيق الحكيم الصراع/الخلف بين معسكرين/جهتين، فنجد في هذه امسرحية الصراع بين الآلهة من جهة وبين البشر من جهة أخرى ونجد ايضا الصراع بين الفن وبين الحياة، فالكاتب تعمد أن يكون حياديا، ولا يقف مع ايا من الطرفين، وهذا الحياد منح القارئ حق الاختيار والتفضيل بين وجهتي ألنظر وهذا الأمر يحسب الكاتب الذي لم ينحاز لأي جهة، وخيرنا فلم يحدد لنا الجهة الافضل.

المفاضل بين الانسان وبين الآلهة تكمن بما قاله الإله “أبولون”

“هؤلاء البشر يمتازون عنا ـ نحن معشر الآلهة هذا ـ ألامتياز في طاقتهم أحيانا أن يسموا على أنفسهم، أما نحن فلا نستطيع أن نسمو على أنفسنا… إن قوة الفن او ملكة الخلق عند هؤلاء لقادرة أحيانا أن توجد مخلوقات جميلة ليس في إمكاننا نحن الآلهة أن نأتي بمثلها أو نجاريهم في شأوها… لأنهم أحرار في السمو، ونحن سجناء في ألنواميس ص35، بهذا الكلام يفتح “أبولون” لنا ابوابا من التألق والتفوق على ليس على ذاتنا وحسب بل على الآلهة، فكأنه يدعونا إلى العمل المبدع وعدم التوقف عند حد معين، فالإنسان كائن يمتلك خاصية نادرة لا تجود عن الآخرين، وتتمثل بقدرته على الإبداع والتفوق.

أما وجهة نظر بيجماليون حول الفرق بين الإنسان والآلهة فكانت بهذا الشكل:

“…هأنذا أقول لك إني تعب … لا استطيع أن امضي في هذا السبيل… أخلق الجمال وأخلق الحب.

… كلا لقد تعبت .. أريد الآن أن أشعر أن هناك من يخلق لي، يعطيني، يحدب علي، ويمنحني. … ما أن الضعف أحيانا .. الضعف ! .. هذا الشيء الإنساني الجميل، الذي حرمتم إياه أنتم أيتها الآلهة” ص46، الكلام في نجد أن هناك معنى للألم، للتعب، فهو شيء جميل، يجعلنا نشعر/نحس بمتعة طلب ألعون متعة ألراحة متعة الانجاز الذي تحقق، فنحن نمتلك مشاعر وهذه بحد ذاتها متعة متعلقة بالبشر فقط على النقيض من الآلهة التي لا تشعر ولا تحس بأي متعة، فهو اشبه بالآلة، تقوم بعملها دون أحساس بالتفوق، بأهمية ما تقوم به، بينما نجد الإنسان يتمتع بعمله، يطلب العون بعد ألتعب إن كان جسديا أم نفسيا.

وبعد أن تستجيب “فينوس” لطلب “بيجماليون” وتجعل من تماثله امرأة حية “جالاتيا” ومن ثم تتعامل معه كأي زوج، كأي إنسان، يتكلم الصواب والخطأ، فتهجره بعد أن رفض الإجابة عن سؤالها: أيهما أحب إليه التمثال أم هي، فيأخذ في المقارنة بين ما قام به هو من إبداع خلاق، وبين ما قامت به “فينوس” من تخريب/تشويه ذلك التمثال الرائع:

“..لقد صنعت أنا الجمال فأهانوه هم بهذا الحمق الذي نفخوه فيه!… كل ما في جالاتيا من رواعة وبهاء هو مني أنا، وكل ما فيها من سخف وهراء هو منكم أنتم يا سكان أولمب” ص70، بهذا الشكل يقدم لنا الحكيم افضلية البشر، فهم يصنعون الجمال المجرد، البعيد عن أي تشويه، بينها الآلهة تصنع اشياء غير محببة، قبيحة، تجعل الإنسان يمقتها.

وبعد الهجرة تعود إليه زوجته “جالاتيا” بأفكار جديدة، فتكون المرأة النموذج/المثل بطيبتها وإخلاصها لزوجها، فنجد “بيجماليون” تأخذه حالة من الصراع والمقارنة بين ما صنع هو وبين ما أوجدته اللآلهة في “جالاتيا” فيقول:

“… بما يكاد يمزق نفسي قطعتين.. ويشطرها شطرين.. ،نعم… أنتما الاثنان تتجاذبان قلبي.. أنتما الاثنان تتصارعان.. هي بارتفاعها وجمالها الباقي .. وأنت بطيبتك وجمالك الفاني.. هي الفن، وأنت الزوجة!!

أيتها الآلهة .. لقد أخذتم من فني، وأعطيتموني زوجة.

نظراتك جميلة… نعم … ولكن فيها شيئا محدود المعنى.. أما نظراتها فكانت كأنها تشرق على عوالم غير محدودة، لفتاتك رائعة، لكن تفسدها أحيانا حركة طائشة، أما لفتاتها فكانت دائمة الروعة والجلال.. بسمتك حلوة، لكن أعرف ما تنطوي عليه!… شفتال رقيقتان، ولكن أعرف ما تفرج عنهما من حديث، وما يمكن أن ينطبع من قبلات. أما شفتاها فكانتا تنفرجان عن كلمات لم تقلها قط، ولن تقولها أبدا، ولكن لها صدى بعيد، يتغلغل في كل قلب إلى الأغوار التي لا يدرك لها قاع” ص128 – 130، بهذه المفارقات يهيش “بيجماليون” حالة من الصراع، صراع بين الحياة/الزوجة والفن، فلكلا منهما حسنات، فالعاطفة والحب والنعومة التي تتمتع بها “جالاتيا” تجعله يعود الى إنسانيته، وعندما يتذكر تماثله يجعله يتخيل روعة الجمال وما قام به من إبداع.

بعد هذا المصارحة بين الزوج وزوجته، تقرر أن تختفي من حياته نهائيا، فهو رجل يعشق فنه كما يعشق زوجته، وبطبيعة حال المرأة الغيورة، والتي يثيرها أي إهتمام من الزوج بأي مسألة أخرى غيرها، وأيضا معرفتنا لطبيعة البشر الفانين، الذي سيهرمون ويختفي منهم الجمال بعد قضاء سنوات ألشباب وأيضا حبها الكبير لزوجها الذي يهمها أن يبقى سعيدا على مدى ألحياة كل هذا جعل “جالاتيا” تخاطب زوجها قائلة:

“أني لن أتحمل عينيك وهما تنظران إلى جسمي بعد سنوات، جنبني هذا الإذلال، ووفر على هذه الصدمات.

ألم تفكر في ذلك يا بيجماليون؟ أليس شعري معرضا للشيب ووجهي للتجاعيد، وجسدي…” ص133، بهذا الكلام تكون “جالاتيا” قد توصلت الى ضرورة أن تختفي من حياته، وأن يعود “بيجماليون” إلى تماثله، إلى فنه، فهو بذلك سيكون أسعد.

وبعد أختفاء/عودة التمثال إلى ما كان عليه نجد “بيجماليون” يعاني من حالة من الصراع مجددا، فيقول:

“أيهما الأصل وأيهما الصورة؟ أيهما الأجمل وأيهما أنبل؟ الحياة أم الفن؟ ” ص151، بهذا الكلام يجعلنا الحكيم نتفكر فيهما، فهو لم يقدم لنا فكرة واحدة، فكرة تجعلنا نميل لهذه الجهة أو تلك، بل جعانا نحتار، أيهما كان أفضل لبيجماليون التمثال/الفن أم المرأة/الزوجة الصالحة؟

المسرحية من منشورات مكتبة ألآداب بدون سنة نشر

الحوار المتمدن-العدد: 4962 – 2015 / 10 / 21 – 14:22

المحور: الادب والفن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي