الخميس. ديسمبر 5th, 2019

الناقدة الكبيرة مايسة زكي تكتب عن محاضرة المكرم لي بروير

من كواليس اللقاء بالمخرج الأمريكي المُكرم (لي برووَر) مؤسس فرقة (مابو ماينز) الأسطورية

 كيف نحمي المسرح من أن يكون مجرد كليشيه أو صيغة متكررة ؟ هكذا بدأ المخرج الأمريكي المكرم (لي برووَر 1937م-) Lee Breuer   حواره مع الحضور بالمجلس الأعلى للثقافة، وهو الظاهرة المسرحية في ذاته منذ أن أسس فرقته (مابو ماينز)  Mabou Minesفي نيويورك عام 1971م . وكما أشار إلى معنى الاسم حيث كانوا يلجأون إلي قرية قريبة من موقعها في الصيف لتحضير عملهم القادم. وقد اتخذوا الاسم الإنجليزي على نحو استعاري حيث يوحي بالبحث والتنقيب في الأعماق في مناجم فن العرض عن جواهره ونفائسه المخبوءة . وسنرى كيف أن المدخل الاستعاري أو المجازي بصفة عامة يشكل جوهرا محوريا لإنتاج برووَر .

لكن شريكته الحالية  في الحياة والفن (مود ميتشل)Maud Mitchell  أخذتنا إلى فيلم تسجيلي قصير وهو في نضجه وأوجه الفني يعرض بدوره لقطات له، صبيا في الستينيات، وهو يبحث بعد عن حلمه في باريس ومسرح الجيب هناك. وبهذه البداية الاستعارية أيضا يكون تاريخ (لي) المسرحي في نصف قرن، وكل عمل إبداعي له، أشبه بحلم يتحقق. أو كما يقول إذا تعرفت على حلمك وأعلنته بوضوح أمكنك أن تعمل على تفاصيله عبر الزمن .

ومن خلال ما استفاض في شرحه، هو وشريكته، عن الحالة الإبداعية الجماعية السائلة التي يتيحها (لي) وقدرته على التفاوض فيما بين عناصرها، ليس فقط بين ومع ممثليه وإنما أيضا مع كل الفنانين الخلَّاقين المساهمين من موسيقيين ومصممي مشهد وعرائس وغيرهم، فإنه يحول الحلم الشخصي له وللفرد المشارك في علاقته بالعرض إلى حلم جمعي. وهو ما قد ينتج عنه تلك اللحظة التي يتعرف فيها الجمهور على مايراه. لغة يتعرفون عليها. لقد كانوا هناك من قبل. كان حلما لكل منهم ربما، أو ذكرى .

كأنها لحظات سحرية للذكرى او الحلم، والتعرف على أيهما، يتبادلها المخرج والممثل فالجمهور. كل ماهو شخصي وخاص جدا يتحول إلى تشارك وتفاعل فني. تضيف الممثلة بمثل هذا التداخل ينمو العرض من مصادر متعددة، وبحيث لا تخجل أبدا من طرح فكرة مهما بدت ساذجة أو غبية، فلا أحد يعرف مع (لي) كيف تتطور إلى فكرة لامعة .

وفيما يتعلق بالتمثيل يبدو المخرج واثقا ومستمتعا بعلاقته بالممثل، وفي ذات الوقت واعيا بتقويضه لعلاقة المخرج/الممثل في نظام المسرح الأمريكي التجاري. فهو لا يقيم اختبارات لإرضائه وإرضاء توقعاته. لا عبودية هنا كما يقول. فتلك الطريقة تنطوي على لعبة سلطة معقدة يلعب فيها النوع أيضا دورا حاسما في الصراع ويملي المنتصر صوره الذهنية. هو يفضل الذين يعرفهم لمدة طويلة. يعتمد على الثقة المتبادلة والغريزة ربما. الممثل ينطوي على سر ما. وبحاجة إلى مفتاح خاص يطلق سراحه. وأن تبقى منفتحا على التغيير. فلحظة استثنائية في أداء ممثل قد تؤثر في تغيير المسار. لا شيء يموت في المسرح. كل الحقائق السيكولوجية والذهنية المجردة والشعورية والروحية. لا شيء يموت في المسرح. والممثل المفضل ربما يكون هو الذي يعرف نفسه، وتعرف السطور طريقها إلى طاقته الشعورية ومنابع ذاكرته. الطريقة التي يلامس بها الأشياء، يحمل بها الكوب مثلا أو يخطو بها، قد تخلق حالة استعارية لها علاقة بمقولة وحقيقة العرض. لحظة سحرية تلك عندما تتحقق فكرة أو يصل معنى من خلال تفرد وخصوصية الممثل.

أوديب في كولونس

وتتداخل مرة أخرى الشريكة (مود ميتشل) وتقول إن العناصر الشكلية عند (لي) قوية جدا، ولذلك فهو يريد للممثل أن يكون القلب الإنساني الحار للقالب الشكلي. في عام 1983م قدم (لي) نسخته من (أوديبس في كولونس) بمورجان فريمان صغيرا جدا وبرؤية موسيقية أدائية تنخرط في موسيقى الجاز وتعتمد على الكورس في ثقافة أمريكية غربية تغالي في الإعلاء من قيمة الفردية، فإذ بكل عضو في الكورس له مقولته الخاصة المتفردة، كأنك تجمع مقولة مسرحية كلية من أطراف متعددة. تتوحد التجربة كأن التعبير النهائي للحقيقة الفردية يصبح جمعيا، أو أن تكون جزءاً من الكورس يصعد بالحقيقة التعبيرية إلى منازل أكثر قوة وتساميا. لذلك لم تكن مفاجأة أنه عند تقديم العرض في 2018م أراد المشاركون قديما والباقون على قيد الحياة أن يشاركوا مجددا. إنه يخصهم جدا. جميعهم شارك في تلك المقولة المسرحية الكثيفة وحقق جوهر رؤية (لي) .

بيت الدمية

حدث نفس الشيء لمود ميتشل في تصور (مابو ماينز) لبيت الدمية لإبسن.على مدى ثماني سنوات ما بين 2003م و20011م عبر حوالي مائة ليلة عرض. أصبح كل من الدور والعرض ينتمي إليها بطريقة ما، وينمو معها.  في تشاركها مع (لي) في كتابة بيت الدمية مدَّا معا خطا إلى(بيرجنت)، نص إبسن الآخر فلم تعد بيت الدمية نموذج الواقعية البرجوازية تماما. ثمة مدخل سريالي. هناك فرصة للحفاظ على الاستعارة حية مع عناصر واقعية. ولمسات واقعية في اسلوب تجريدي. هذا الولع المكين في هذا المسرح الطليعي بخلط الأساليب .

في المشهد الذي عرضوه تظهر نورا من “بنوار”  للجمهور على يمين المسرح بينما يغط زوجها – ضئيل الجسد- في النوم على خشبة المسرح وتبدأ حوارا كاشفا يوقظه. ويضم الستار الأحمر المخملي في عمق المسرح خلف السرير نوافذ أو بناوير، بها دمى ثنائية لزوج وزوجة في كامل تلك الخلفية . تكاد تعكس كالمرايا جمهور الحضور. هذه العرائسية العارمة التي تجتاح المجتمع في صورة مجازية بليغة تتقاطع مع الحوار الواقعي والمواجهة التي تنشئها نورا مع هلمر من البنوار .

تقول الممثلة إنه في لحظة ما من عرضها المسرحية اكتشفت أنها في حاجة إلى أن تتخلص من فخاخ الأنوثة، من عبء الشعر الفيكتوري الغزير والمشد القاسي الضاغط على الأضلاع، فحلقت شعرها إلى أقصى درجة كما جاءتنا. هكذا يبدو رأسها عندما تخلع الشعر المستعار. تقول كان هذا اكتشافا راق ل(لي). وربما كان في ذهنه منذ البدء لكنه آثر أن أصل بنفسي إلى هذه الحاجة الملحة إلى التحرر من علائق هيئة الدمية .

بيتر و وندي

في عرض بيتر ووندي تقوم ممثلة واحدة بأداء سبع وعشرين شخصية، بالإضافة إلى عدد متنوع من الدمى ومغنيين وموسيقيين في مشهد تكعيبي يدين لموسيقية العرض التي يحرص عليها (لي) عموما، ومع موسيقى موضوعة خصيصا للعرض. وكلب يمثل إمرأة. يقوم (لي) وفق تصوره بتقويض الصور اذهنية الأمريكية المعاصرة في التيار التجاري السائد .

“إن التفاعل بين البشري والدمية يأتي من كوني أتعامل مع الدمية كأنها أشعة كاشفة أو ميكروسكوب نرى من خلاله ما وراء  السطح البشري. نتعلم كيف أن الواقع مركب جدا. وعبر الاستعارة نعري الأشياء، ونسقط أنماط السلوك الزائفة والمتكررة .”

كان اللقاء/المحاضرة في قلب المغامرة المسرحية. الرحلة والحلم. يحدوه هذا التشارك الفني ل”قاموس جمالي” متناغم بين الاثنين .                                                                                   شهدت اللقاء : مايسة زكي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي